كراجة يكتب: الحماية الأردنية لمقدسات القدس.. رؤية قانونية
سائد كراجة
فعّلت الحكومة الإسرائيلية، منتصف الشهر الفائت، أمر استملاك قديم يعود لعام 1968، يستهدف ما بين عشرة وخمسين عقارًا على امتداد طريق باب السلسلة المؤدي إلى المسجد الأقصى، والعقارات تتنوع بين أوقاف ومدارس مملوكية، من بينها المدرسة الطشتمرية التي تحتضن مقر الهيئة الإسلامية العليا المشرفة على تنفيذ الوصاية الهاشمية. هذا الإجراء ليس واقعة استملاك معزولة، بل حلقة في مخطط قادم يرمي إلى إعادة تشكيل البيئة العمرانية والوظيفية حول الحرم القدسي، بما يمس مباشرة الدور الأردني في إدارة المقدسات الإسلامية في القدس.
لا يروم هذا المقال تقييم معاهدة وادي عربة أو تقييم جدواها السياسية، كما لا يغفل قصور يد القانون الدولي عن تنفيذ احكامه، وإنما يقدم مطالعة قانونية موضوعية تثبت أن هذا الاستملاك — وما قد يتبعه، وهو المتوقع — باطل قانونًا على أساس مسارين متكاملين: التزام تعاهدي خاص بالوصاية الهاشمية/اتفاقية وادي عربة، وقواعد عامة تحكم بطلان الاستملاك في الأرض المحتلة سندًا للقانون الدولي.
أولًا، تنص المادة 9/2 من معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية لعام 1994 على أن إسرائيل «تحترم الدور الخاص الراهن للمملكة الأردنية الهاشمية في المقدسات الإسلامية في القدس»، وأنها «عند مفاوضات الوضع النهائي ستولي أولوية عالية للدور التاريخي الأردني في هذه المقدسات». وقد أُدمج إعلان واشنطن في متن المعاهدة، فأصبحا معًا وثيقة واحدة تحدد هذا الدور وتثبته.
والتحليل الدقيق لصياغة النص يفضي إلى ثلاث دلالات مترابطة: الأولى، أن موضوع الالتزام هو «دور» أردني ذو مضمون وظيفي، قوامه الصيانة والحماية وتنظيم الدخول وإدارة الشؤون الوقفية، لا مجرد مكانة معنوية أو حضور رمزي في المشهد الديني. الثانية، أن ماهية هذا الدور مستمدة من الممارسة التاريخية لا من النص فقط؛ فالأردن أدار بين عامي 1948 و1967 الأوقاف والمقدسات إدارة فعلية كاملة، بما يثبت أن «الدور» إدارة قائمة عرفًا وواقعًا قبل أن يُدوَّن في معاهدة. الثالثة، أن وصف «المقدسات الإسلامية في القدس» جاء مطلقًا غير مقيّد بالحرم وحده، فينصرف إلى عمومه ليشمل كل مقدس في المدينة، داخل الأسوار وخارجها، ما دام متصلًا بوظيفة الوصاية.
ومن هنا تتولد فكرة «الضرورة الوظيفية»؛ إذ لا يُتصور احترام الدور الأردني في حماية المقدسات من دون حماية البنية العقارية واللوجستية اللازمة لممارسته، وعلى رأسها ممرات الوصول الرئيسية ومقار الهيئات المشرفة على الوصاية. ووفقًا لمبدأ الأثر المفيد (effet utile) في تفسير المعاهدات، الذي يقر بأن من مُنح حقًا لتحقيق غاية مُنح ضمنًا الوسائل التي لا تتحقق الغاية بدونها، فإن العقارات التي تشكل عصب ممارسة الوصاية — كالمدرسة الطشتمرية — تدخل في نطاق الحماية المعاهدية، لأن تعطيلها يفضي عمليًا إلى تعطيل الوظيفة التي «التزمت» إسرائيل باحترامها.
وبذلك يغدو الاستملاك والمساس بالبنية المؤسسية للوصاية خرقًا لاتفاق دولي مكتوب وقّعته إسرائيل طوعًا!
وثانيًا، فإن المسار الآخر لبطلان هذا الاستملاك هو مسار عام يتجاوز خصوصية الدور الأردني، وينطلق من قاعدة ثابتة في القانون الدولي مفادها أن الاحتلال لا ينشئ سيادة، وأن اكتساب الأراضي بالقوة محظور حظرًا قاطعًا. فالسيطرة الفعلية على الإقليم المحتل لا تخوّل الدولة المحتلة التصرف فيه تصرف المالك صاحب السيادة، لا بالضم ولا بالتشريع الأحادي ولا بالاستملاك الذي يغيّر الوضع القانوني للملكية.
وقد أكدت قرارات مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية عدم مشروعية أي إجراءات إسرائيلية تستهدف تغيير الوضع القانوني أو الديمغرافي للقدس الشرقية، انطلاقًا من القاعدة المستقرة كما اشرت أعلاه، التي تقضي بأن الاحتلال لا ينشئ سيادة وأن اكتساب الأراضي بالقوة محظور في القانون الدولي.
وخلاصة القول إن استملاك إسرائيل لأي عقارات في باب السلسلة المرتبطة بوظيفة الوصاية باطل سندًا لمعاهدة وادي عربة وهو باطل بالنسبة للعقارات المدنية سندًا لأحكام القانون الدولي.
لقد أصدرت وزارة الخارجية بيانًا يندد بهذا الاستملاك، وأعتقد أنه يجب تصعيد آليات قانونية للاعتراض عليه سندًا للمعاهدة. قد لا يمنع القانون الدولي فرض الأمر الواقع، لكنه يحول دون تحويله إلى حق قانوني أو اكتساب شرعية دائمة.
جنابك.







