اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ملكاوي يكتب: "تفكيك استعمار العقل".. اللغة أولا

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


العلاقة العضوية بين اللغة والثقافة والهوية والسلطة، هي القضية التي اشتغل عليها الكاتب الكيني الشهير نغوجي وا ثيونغو، الذي رحل العام الماضي. ففي كتابه «تفكيك استعمار العقل» يشرح كيف أن الاستعمار تعدى الشكل التقليدي لاحتلال الأرض والسيطرة الاقتصادية، بالامتداد نحو الهيمنة على اللغة والطريقة التي يفكر بها الناس.
 

يقدّم الكتاب رؤيةً مفاهيمية حول كيفية إسهام اللغة الاستعمارية باستدامة سيطرة قوى الاستعمار حتى بعد الاستقلال السياسي، ولماذا لا يقل التحرر الثقافي أهمية عن التحرر السياسي الذي لا يكتمل بدون تحرر لُغوي.
يعرض الكاتب أفكارا تتعلق بلغة الأدب والمسرح في أفريقيا، ساعيا إلى التأسيس لرؤية ثقافية تركز على السياسة اللغوية والأدبية في سياق ما بعد الاستعمار. وفي استقصائه للحالة الأفريقية، يرى أن اللغة القَبلية تمثل الثقافة كاملة كحاملة للذاكرة الجماعية والتجربة الثقافية، بينما اللغة الاستعمارية كالإنجليزية والفرنسية تستخدم كأداة لتشكيل ثقافة الشعوب المستعمرة وتفكيرها وفق منظور الغرب.
اللغة، في منظور نغوجي وغيره من مفكري ما بعد الاستعمار، لا تمثل أداة تواصل محايدة، فهي حاملة للثقافة ووسيط للوعي، ونجاح الاستعمار أساسا كان بالسيطرة على لغة التعليم والإبداع بواسطة «زرع» اللغة الأجنبية في التعليم والإدارة والإعلام، ما أدى إلى فصل اللغة عن بيئتها الثقافية الأصلية.
نغوجي، الذي يعلن قطيعته مع الكتابة باللغة الإنجليزية كموقف فكري وأخلاقي، يقدم نقدا لكتابة الأدب الأفريقي باللغات الأوروبية، ويرى فيها استمرارا للاستعمار الثقافي بعد الاستقلال، مبينا أن التعليم الاستعماري خلق نخبة أفريقية تفكر وتكتب بمنطق المستعمِر، ما أوجد أدبا يخاطب القارئ الغربي، ويفصل الكاتب عن جمهوره الطبيعي، ليتحول الأدب إلى سلعة نخبوية تتشكل وفق معايير جمالية وفكرية استعمارية، وتعجز عن نقل التجربة الأفريقية بصدق.
اللغة الاستعمارية، وفق نغوجي، تنتج وعيا استعماريا يجعل المتحدثين بها ينظرون إلى ثقافتهم الأصلية كقيمة أقل، وبالتالي فقدان الثقة بالثقافة الذاتية، فينتج ما يسميه نغوجي «الاغتراب» أو «الاستلاب اللغوي والثقافي»، حيث يصبح الفرد منشغلا بتحقيق معايير الغرب بدلا من الاعتزاز بجذوره.
الدعوة إلى تحرير الفكر من خلال اللغة، هي أساس «تفكيك استعمار العقل»، من خلال إعادة الاعتبار للغات الأصلية، كخطوة سياسية وثقافية لتحرير الفكر وإعادة بناء هوية ثقافية مستقلة. الأدب بلغة المستعمر يعزز ما يسميه نغوجي «العقلية النيوكولونيالية»، ولا يعكس تجارب وتطلعات المجتمع المحلي الذي يريد أدبا بلغته الأصلية ليكون صوتا تحرريا وثقافيا له.
اللغة، كما يراها، هي مرآة التاريخ والحكمة الجماعية، وتهميشها يؤدي إلى تهميش قصة الشعوب وتاريخها وهويتها، بينما إعادة اللغة إلى مركز الإبداع تمثل إعادة للذاكرة الجماعية وبناء للمستقبل الثقافي القادر على مقاومة الهيمنة، فاللغة أداة للوعي تؤثر في الكيفية التي يرى فيها الإنسان العالم، والتحرر الفكري يبدأ بعودة الثقافة إلى لغتها الأصلية، ما يمكن الشعوب من استعادة سلطتها على خطابها واستقلالها الفكري، كخيار أدبي وسياسي لإنهاء الهيمنة الثقافية.
يدرس نغوجي المسرح، كذلك، بوصفه أكثر الفنون التصاقا بالجمهور، ليوضح أن المسرح المكتوب بلغة المستعمر يعزل الجماهير الشعبية، ويجعل الفن حكرا على النخبة المتعلمة، ولكن حين يتم تقديمه بلغة الناس فإنه يعيد الفن إلى وظيفته الاجتماعية، ويصبح فضاء للمقاومة والوعي الجماعي، وقابلا لأن يفكك استعمار العقل عمليا.
نغوجي يرى أيضا أنّ اللغة تؤثر على شكل الرواية ومضمونها وبنيتها السردية، فاللغة الأوروبية تفرض نماذج سردية أوروبية من خلال الشكل والإيقاع وبناء الشخصيات، بينما تسمح الكتابة باللغات الأفريقية باستدعاء التراث الشفهي والأسطورة والحكمة الشعبية، ما يقربها أكثر من الذاكرة الجماعية، خصوصا أنه يعتبر أن الشكل الفني نفسه نتاجٌ للغة.
الأدب النخبوي المنفصل عن المجتمع مرفوضٌ في أطروحة نغوجي، فهو يربط الأدب بالمسؤولية الاجتماعية، وينتقد المنفصل منه عن قضايا الناس اليومية بحجّة «العالمية»، معيدًا التركيز إلى نقاش وظيفة الأدب في مجتمعات ما بعد الاستعمار، ليؤكد أن الأدب الحقيقي يرتبط بالعدالة والكرامة والذاكرة والتحرر، وأنّ «العالمية» تأتي من الصدق مع التجربة المحلية، فالأدبُ يكون عالميًا حين لا يتنكّر لمحليته.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية