الفاهوم يكتب: الأمير الحسن في روما… حديث الإنسان قبل الجغرافيا
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
لا يتحدث سمو الأمير الحسن بن طلال عن العالم بوصفه خرائط وحدودًا فقط، بل بوصفه حالة إنسانية متشابكة؛ إذ تبدو السياسة في فكره امتدادًا للأخلاق، ويبدو الاقتصاد وسيلة لحماية الإنسان لا مجرد أداة لإدارة الأرقام. ومن هنا جاءت زيارته الأخيرة إلى روما، الممتدة على مدار أسبوع كامل، مختلفة في مضمونها عن كثير من الزيارات الرسمية المعتادة؛ فهي لم تكن رحلة علاقات عامة أو استعراض مواقف سياسية، بل بدت أقرب إلى مساحة حوار طويلة مع العالم حول سؤال أصبح أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: كيف يمكن للإنسان أن يبقى إنسانًا وسط هذا الكم الهائل من التحولات والصراعات وإعادة تشكيل المصالح الدولية؟
سموه يدرك، بعمق التجربة وتراكم القراءة، أن العالم لم يعد يعيش مجرد أزمة سياسية عابرة، بل يمر بمرحلة إعادة تعريف شاملة لموازين القوة والمعرفة والاقتصاد والهوية. ولهذا لا يتوقف عند حدود توصيف الأزمات، بل يذهب مباشرة نحو جذورها؛ نحو الإنسان الذي فقد شعوره بالأمان، والمجتمعات التي أصبحت تخشى المستقبل أكثر مما تنتظره، والدول التي باتت تملك أدوات تكنولوجية هائلة، لكنها تفقد تدريجيًا قدرتها على إنتاج الطمأنينة والعدالة والمعنى.
وفي هذا السياق، تتكرر في فكر الأمير الحسن مفاهيم ليست لغوية بقدر ما هي فلسفة متكاملة لفهم العالم؛ مثل “الأمن الإنساني”، و”الاقتصاد المتكافل”، و”الممرات متعددة الاتجاهات”، و”الكرامة الإنسانية”، و”المشترك الإنساني”. وهي مفاهيم لا تُطرح عنده بوصفها شعارات ثقافية، بل باعتبارها أدوات عملية لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والدولة والإقليم والعالم.
فعندما يتحدث سموه عن “الممرات”، فهو لا يقصد فقط طرق التجارة والطاقة والنقل، بل يقصد أيضًا ممرات المعرفة، والتعاون، والثقة، والتكامل بين الشعوب. كأنّه يقول بطريقة غير مباشرة إن الجغرافيا لا ينبغي أن تبقى لعنة سياسية أبدية، بل يمكن أن تتحول إلى نقطة اتصال حضاري واقتصادي وإنساني. ولذلك يربط دائمًا بين الممرات والتنمية، وبين التنمية والاستقرار، وبين الاستقرار وكرامة الإنسان. فالدول التي لا تخلق مصالح متبادلة بينها تبقى أسيرة القلق، مهما امتلكت من أدوات القوة التقليدية.
ومن يتابع حديث الأمير الحسن يلاحظ أنه لا ينظر إلى المنطقة العربية بوصفها مجرد ساحة نزاعات، بل باعتبارها منطقة تمتلك فرصة تاريخية إذا استطاعت أن تنتقل من عقلية إدارة الأزمات إلى عقلية بناء المستقبل. وهنا تظهر فكرته الجوهرية حول “التكافل”؛ إذ لا يمكن — في نظره — بناء استقرار طويل الأمد في بيئة تتسع فيها الفجوات الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية بهذا الشكل الحاد. فالفقر ليس رقمًا اقتصاديًا فقط، بل حالة انكسار إنساني قد تتحول مع الوقت إلى غضب أو تطرف أو شعور عميق باللاجدوى.
ولهذا يبدو مفهوم “الأمن الإنساني” عند الأمير الحسن أكثر شمولًا من التعريفات السياسية التقليدية؛ فالأمن لا يبدأ عند الحدود فقط، بل يبدأ حين يشعر الإنسان أن له قيمة وفرصة ومستقبلًا. يبدأ من التعليم، ومن العدالة الصحية، ومن الحق في العمل، ومن الشعور بأن الإنسان ليس مجرد رقم فائض في معادلة اقتصادية باردة. ومن هنا تأتي حساسيته العالية تجاه قضايا التهميش والحرمان، واهتمامه المتكرر بمفهوم “فهرس الحرمان المتعدد” بوصفه محاولة لفهم الإنسان من الداخل، لا من خلال مؤشرات مالية جامدة فقط.
وفي روما، بدا سموه وكأنه يحاول إعادة إدخال البعد الأخلاقي إلى النقاش العالمي من جديد. فالعالم اليوم يملك قدرة هائلة على إنتاج التكنولوجيا، لكنه يواجه في المقابل أزمة متزايدة في إنتاج الحكمة. تتوسع أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما تتراجع قدرة الإنسان على الإصغاء للإنسان. تنمو الأسواق بسرعة، بينما تتآكل المساحات المشتركة بين الشعوب. ولهذا يكرر الأمير الحسن دائمًا أن المستقبل لا يمكن أن يُبنى فقط على المصالح العابرة، بل على فهم أعمق لفكرة “المصلحة الإنسانية المشتركة”.
واللافت في طرحه أنه لا يتحدث بلغة الصدام الحضاري، بل بلغة “التعارف الحضاري”. فهو يرى أن المنطقة، بتاريخها وثقافتها وتنوعها، ليست عبئًا على العالم، بل يمكن أن تكون جسرًا بين حضاراته إذا أُعيد الاستثمار في الإنسان والمعرفة والثقافة. ولذلك يربط باستمرار بين الحوار والكرامة، وبين العدالة والاستقرار، وبين المعرفة والسلام، وكأنه يحاول أن يعيد التذكير بأن الحضارات لا تنهض فقط بما تبنيه من عمران، بل بما تنتجه من معنى أخلاقي للوجود الإنساني.
كما أن الأمير الحسن ينتمي إلى مدرسة فكرية تؤمن بأن المستقبل لا يُقرأ فقط من السياسة، بل من التحولات العميقة في بنية العالم؛ من المياه والطاقة والغذاء والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد والهجرة والمناخ. ولهذا فإن حديثه عن “الاستشراف” لا يأتي بوصفه رفاهًا فكريًا، بل باعتباره ضرورة وجودية لدول المنطقة. فالعالم يعيد ترتيب نفسه بسرعة، والدول التي لا تمتلك رؤية معرفية وإنسانية واقتصادية واضحة ستجد نفسها خارج التأثير مهما امتلكت من الموارد.
وربما تكمن فرادة الأمير الحسن في أنه لا يطرح أفكاره من موقع الباحث البعيد عن الواقع، بل من موقع من خبر السياسة والمجتمع والإنسان والمنطقة لعقود طويلة. لذلك تبدو لغته هادئة، لكنها محمّلة بقلق حضاري عميق على الإنسان العربي والإنسان عمومًا. قلق لا يدفعه نحو التشاؤم، بل نحو البحث المستمر عن مساحات يمكن فيها للعقل والحكمة والتكافل أن تنتصر على الانقسام والخوف والمصالح الضيقة.
وفي النهاية، تبدو زيارة روما وكأنها رسالة تقول إن العالم، رغم كل تقدمه، ما يزال بحاجة إلى من يذكّره بأن قيمة الإنسان أعلى من قيمة الأدوات التي يصنعها، وأن بناء المستقبل لا يتحقق فقط عبر القوة، بل عبر القدرة على حماية المعنى الإنساني وسط هذا الصخب العالمي المتنامي.




