المرصد العمالي الأردني يصدر بيانا تحذيريا
حذّر تقرير صادر عن المرصد العمالي الأردني التابع لمركز الفينيق للدراسات من التوسع المتسارع في اعتماد الشركات والمؤسسات في الأردن على ما يُعرف بـ"الشركات المساندة" أو "شركات التعهيد"، مؤكداً أن هذا النموذج بات يُستخدم على نطاق واسع لإعادة تشكيل سوق العمل بطريقة تؤدي إلى خفض الكلف التشغيلية على حساب حقوق العمال واستقرارهم الوظيفي.
وبيّن التقرير أن هذا النمط من التشغيل لم يعد يقتصر على الأعمال الثانوية أو المؤقتة، بل امتد ليشمل وظائف تشغيلية وفنية أساسية في قطاعات عديدة مثل الكهرباء والطاقة، والخدمات الصحية، والأمن والحماية، والاتصالات، والتعدين، والخدمات اللوجستية، حيث يؤدي العمال المهام ذاتها التي يقوم بها العاملون المثبتون داخل الشركات الكبرى، ولكن بشروط عمل أقل من حيث الأجر والحماية الاجتماعية وأكثر هشاشة من حيث الاستقرار الوظيفي.
وأشار التقرير إلى أن هذا التوسع في الأردن يأتي ضمن سياق عالمي أوسع، حيث تتجه الشركات الكبرى إلى الاعتماد المتزايد على شركات وسيطة لتشغيل العمال بهدف تقليل النفقات المرتبطة بالأجور والضمان الاجتماعي والالتزامات طويلة الأمد.
ولفت إلى أن تقارير دولية، من بينها تقارير لمنظمة العمل الدولية، تحذر من أن هذا التحول أسهم في اتساع ظاهرة "العمل الهش" وتراجع نموذج الوظيفة المستقرة طويلة الأمد نتيجة نقل المخاطر من الشركات إلى العمال أنفسهم.
وأوضح التقرير أن أحد أخطر آثار هذا النموذج يتمثل في خلق سوق عمل مزدوج داخل المؤسسة الواحدة، حيث يعمل موظفون مثبتون يتمتعون بأجور أعلى وحماية اجتماعية واستقرار وظيفي، إلى جانب عمال في شركات مساندة يؤدون العمل ذاته تقريباً، لكن بأجور أقل وضمانات أضعف وفرص محدودة للتطور المهني، الأمر الذي ينعكس على بيئة العمل من خلال تراجع العدالة المهنية وتزايد الفجوات داخل المؤسسة الواحدة.
وحذّر التقرير من أن إعادة هيكلة علاقات العمل عبر شركات التعهيد أدت إلى توسيع ظاهرة "العمال الفقراء"، أي العاملين الذين لا تكفي أجورهم لتغطية احتياجاتهم المعيشية الأساسية رغم استمرارهم في العمل بدوام كامل.
كما أشار إلى أن هذا النموذج يسهم في تقليص مستويات الحماية الاجتماعية سواء من حيث تسجيل الأجور على الضمان الاجتماعي بأقل من قيمتها الفعلية في بعض الحالات، أو من حيث تفاوت جودة التأمين الصحي والتعويضات بين العاملين في الموقع ذاته، بما ينعكس مستقبلاً على الرواتب التقاعدية ومستويات الأمان الاجتماعي.
وأكد التقرير أن الاعتماد المتزايد على الشركات المساندة يؤدي إلى إضعاف الأمان الوظيفي نتيجة انتشار العقود المؤقتة وسهولة إنهاء الخدمات، إلى جانب غياب وضوح المسؤولية القانونية بين الشركة الكبرى والشركة الوسيطة، كما يسهم في الحد من قدرة العمال على التنظيم النقابي والمطالبة الجماعية بالحقوق بسبب هشاشة أوضاعهم الوظيفية وتشتت العلاقة التعاقدية، ما يعيد تشكيل موازين القوة داخل سوق العمل لصالح أصحاب العمل.
وأوضح التقرير أن توسع شركات التعهيد في الأردن ارتبط بسياسات إعادة الهيكلة والخصخصة والتوسع في التعاقد الخارجي داخل العديد من المؤسسات العامة وشبه الحكومية والخاصة بهدف خفض النفقات التشغيلية، إلا أن ذلك أدى عملياً إلى تحويل جزء من الوظائف المستقرة نسبياً إلى وظائف أكثر هشاشة وأقل حماية.
كما أشار التقرير إلى أن هذا التوسع في شركات التعهيد لم يأتِ بمعزل عن السياسات والتنظيمات الحكومية، حيث أصدرت الحكومة في عام 2024 نظامين يوسّعان نطاق هذا النوع من التشغيل، وهما نظام ترخيص شركات تزويد طالبي الخدمة بالعمال الأردنيين، ونظام ترخيص شركات الوساطة لتشغيل الأردنيين داخل المملكة وخارجها، وهو ما يعكس توجهاً رسمياً نحو تنظيم وتوسيع عمل شركات التعهيد والوساطة في سوق العمل الأردني.
ودعا المرصد العمالي في التقرير إلى مراجعة شاملة للإطار القانوني الناظم لشركات التعهيد وتشديد الرقابة عليها وتطبيق مبدأ "الأجر المتساوي للعمل المتساوي"، مؤكداً ضرورة ضمان ألا تتحول هذه الشركات إلى وسيلة للالتفاف على حقوق العمال.
كما نبّه إلى ضرورة تحميل الشركات الكبرى مسؤولية تضامنية عن حقوق العاملين لديها عبر شركات وسيطة، وتعزيز الحريات النقابية وتمثيل العاملين في الشركات المساندة، وربط معايير التعاقد بالعمل اللائق والأجور العادلة.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن استمرار توسع هذا النموذج دون تنظيم فعّال يستند إلى معايير العمل اللائق من شأنه تعميق هشاشة سوق العمل الأردني وتوسيع فجوة اللامساواة بين العاملين، داعياً إلى إعادة الاعتبار لمفهوم العمل اللائق باعتباره أساساً للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.





