أميركا وإيران في نفق المطالب القصوى.. تصعيد متبادل وسرديات انتصار
أميركا وإيران في نفق المطالب القصوى.. تصعيد متبادل وسرديات انتصار
دخلت المفاوضات بين أميركا وإيران في طريق مسدود. الطرفان لا يتزحزحان عن المطالب القصوى، ولا يزالان ضمن معادلة: كل شيء أو لا شيء. والواضح أن واشنطن
وطهران تريدان، عبر طريق الديبلوماسية، الحصول على ما لم تحصلا عليه بالحرب.
ومن الردود المتبادلة على مقترحات تقدمت بها طهران وواشنطن، إلى تهديدات من هنا وهناك، يبدو وقف النار الهش السائد منذ أكثر من شهر، في أضعف حالاته. وهذا ما عبّر عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقوله، الإثنين، إن الهدنة في "غرفة الإنعاش"، ليلوّح مجدداً بإحياء "مشروع الحرية" لإرشاد السفن العالقة في مضيق هرمز، مسقطاً أي رهان إيراني على "شعوره بالتعب أو بالضغوط"، بفعل ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة. لكن اقتراح ترامب تعليق الضريبة الفيديرالية على الوقود، ريثما تعود الأسعار إلى الانخفاض، يشير إلى أن القلق بدأ يتسلل إلى البيت الأبيض، من الكلفة السياسية للحرب
تصعيد متبادل وسرديات انتصار
التهديد الأميركي بالعودة إلى الخيار العسكري تقابله نبرة تحدٍّ من إيران، على لسان كبير مفاوضيها ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، الذي قال: "إن قواتنا المسلحة جاهزة لتلقين العدو درساً يستحقه".
اللهجة المتصاعدة من هنا وهناك لا تعني بالضرورة أن أميركا وإيران راغبتان في العودة إلى الحرب، الأمر الذي يوعز بدوام حال المراوحة والرهان على مَن يرمش أولاً، نتيجة إغلاق إيران لمضيق هرمز والحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية.
المطالب الإيرانية، التي وردت في الرد على تعديلات أميركية للخطة الإيرانية ذات البنود الـ14، لم تُظهر أي مرونة من جانب طهران تتعلق بالمطلب الأميركي الأساسي المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني. وكررت طهران أن الطريق إلى المسألة النووية تأتي في مرحلة لاحقة على إنهاء الحرب ورفع الحصار الأميركي، في مقابل فتح تدريجي من قبل إيران لمضيق هرمز، ووضع آلية لتقاضي رسوم من السفن العابرة للمضيق، كتعويضات عن خسائرها في الحرب، علاوة إلى مطالبتها بوقف نار مستدام في لبنان.
وإذا كانت هذه المطالب تنمّ عن أن إيران تتصرف كطرف منتصر في الحرب، فإن ترامب هو الآخر يتصرف وكأنه انتصر، ولا يني في تكرار أن إيران لم يعد لها جيش، وأن بحريتها أُغرقت، وأن صواريخها دُمّرت، وأن قيادييها تعرضوا للتصفية، وأن من تبقى منهم يتلهفون لإبرام اتفاق معه، وأنهم مستعدون لتسليم أميركا "الغبار النووي" المدفون تحت منشأة أصفهان، التي دمرتها القاذفات الأميركية في حزيران/يونيو الماضي.
أي مخرج يبحث عنه ترامب؟
بين سردية النصر الإيرانية وسردية النصر الأميركية لا مكان للمساومة والتنازلات، أو بالأحرى للمفاوضات. فالمفاوضات تعني أن تأخذ وتعطي، وتبدي مرونة إزاء القضايا الخلافية. أما ما يجري فعلياً بين أميركا وإيران الآن، فلا يُعدّ تفاوضاً، بل محاولة لإملاء مطالب كلّ جانب على الجانب الآخر، إيماناً بسردية الانتصار. ويقول قاليباف، في تغريدة على منصة "إكس"، إن "لا بديل" للولايات المتحدة من القبول بالنقاط الـ14 الإيرانية. ويجيب ترامب ومؤيدو الحرب في الولايات المتحدة بأن الكلام الإيراني عن الانتصار يخفي نظاماً على حافة كارثة اقتصادية، ويتوق إلى إيجاد مخرج من الحرب. ويرفض هؤلاء أية مقارنة بين إيران وحربي أفغانستان والعراق، ولا يزالون يتوقعون أن توافق طهران على تنازلات جوهرية.
وترامب أيضاً يسعى حثيثاً إلى مخرج. هل يوجه ضربة واسعة ويعلن بعدها الانتصار والانسحاب، أم يبقي على الحصار حتى يؤتي ثماره، أم يوجه ضربات محدودة لإقناع إيران بإضفاء مرونة على مواقفها، أم يقدم هو نفسه تنازلات في المطالب الأميركية لفتح قاعة التفاوض في إسلام آباد؟
كل خيار من هذه الخيارات ستكون له انعكاساته على ترامب وعلى إيران والمنطقة والعالم، عشية القمة الأميركية-الصينية.






