الدرعاوي يكتب: تعديل أجور النقل

{title}
أخبار الأردن -

 

سلامة الدرعاوي


يطرح التعديل الأخير لأجور النقل العام الذي أقرّته هيئة تنظيم النقل البري مجموعة تساؤلات اقتصادية مرتبطة بتوقيت القرار، وعدالته التوزيعية، وقدرته على تحقيق توازن بين أطراف المعادلة الثلاثة، وهم: الحكومة، والمشغل، والمواطن.
 

القرار الذي تضمن رفع التعرفة بنحو 5 قروش على ما يقارب 75 بالمائة من المسارات، و10 قروش على المسارات الأطول، جاء بعد فترة امتدت لنحو ثماني سنوات من ثبات الأسعار منذ عام 2018، في وقت شهدت فيه كلف التشغيل ارتفاعات متواصلة، خاصة في أسعار المحروقات ومدخلات التشغيل الأخرى.
من حيث التوقيت، يمكن قراءة القرار على أنه استجابة لواقع تراكمي أكثر منه إجراء آنيا، واستمرار تثبيت التعرفة في بيئة تتسم بارتفاع الكلف خلق فجوة تدريجية بين الإيرادات والنفقات التشغيلية، ما انعكس على قطاع الحافلات بشكل مباشر، وهذا الواقع يفسر توصيف الزيادة بأنها خطوة ضرورية في هذه المرحلة، إذ إن استمرار الوضع السابق كان يعني مزيدا من الضغط على استمرارية الخدمة.
أما من زاوية المواطن، فإن التساؤل يرتبط بمدى ملاءمة التوقيت مع قدرته الشرائية، إذ أن الزيادة المحدودة نسبيا تعكس محاولة لتقليل الأثر المباشر، حيث تم توزيعها بشكل متفاوت بين المسارات القصيرة والطويلة، وهذا يشير إلى أن القرار لم يستهدف تعظيم الإيرادات بقدر ما ركز على إعادة التوازن ضمن حدود مقبولة اجتماعيا، خاصة في ظل إدراك أن النقل العام خدمة أساسية ذات حساسية عالية تجاه الأسعار.
بالنسبة للمشغلين، يظهر القرار كإجراء تخفيفي أكثر منه تعويضي كامل، إذ أن الزيادة لا تغطي الفجوة بشكل كامل، وإنما تساهم في تخفيف جزء من الأعباء الناتجة عن ارتفاع الكلف، وهذا يعني أن المشغل ما يزال يتحمل جزءا من الضغط، ما يعكس توجها نحو تقاسم الأثر بدلا من تحميله لطرف واحد.
في هذا الإطار، يمكن فهم رؤية الحكومة من خلال توزيع الأعباء بين الأطراف الثلاثة، فالحكومة، تتحمل جزءا من ارتفاع أسعار المحروقات من خلال سياساتها، ما يخفف من انتقال كامل الزيادة إلى التعرفة، وفي المقابل، يتحمل المشغل جزءا من الكلف عبر استمرار التشغيل رغم عدم تغطية التكاليف بالكامل، بينما يتحمل المواطن جزءا محدودا من خلال الزيادة الحالية، وهذا التوزيع يعكس مقاربة اقتصادية قائمة على إدارة الأثر وليس نقله بالكامل.
كما أن الإشارة إلى صندوق دعم نقل الركاب تعطي بعدا إضافيا للقرار، حيث يُنظر إليه كأداة مستقبلية لمعالجة الاختلالات بشكل أعمق، ووجود هذا الصندوق يعني أن الزيادة الحالية ليست حلا نهائيا، لكن جزءا من مسار أوسع يستهدف استقرار القطاع.
في المحصلة، يمكن قراءة التعديل على أنه محاولة لإعادة ضبط التوازن ضمن قيود واقعية، حيث جاء في توقيت يرتبط بتراكم الكلف، وبصيغة تراعي المستخدم، وبأثر موزع بين الحكومة والمشغل والمواطن، وهذه القراءة تضع القرار في إطار إدارة التوازن الاقتصادي للقطاع، مع الإبقاء على الحاجة إلى أدوات أوسع لضمان الاستدامة على المدى المتوسط.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية