ملكاوي يكتب: الهوية.. تحديات العيش في الماضي
موفق ملكاوي
المحاضرة التي ألقاها المفكر العراقي د. عبد الله إبراهيم في منتدى عبدالحميد شومان منتصف الأسبوع الماضي، طرحت أسئلة كثيرة على وعي جمهور تابعها وتفاعل معها، خصوصا أنها تصدت لتحديد مفهوم الهوية في الذات العربية، سواء كانت سؤالا فرديا أو جماعيا.
بدراسته للسرد والهوية الثقافية، يتعامل إبراهيم مع الهوية وفق رؤية نقدية تقدمها ككائن حي متطور، فهو غالبا ما يؤكد أن بناءها يأتي عبر "السرد"، وتتأثر بالحكايات والروايات التي تصوغ صورة الذات والآخر، ما يخرجها من صيغة القوالب الجامدة التي يمكن "استيرادها" من الماضي، فهي قصة مستمرة نرويها عن أنفسنا، ويرويها الآخرون عنا أيضا.
هذه الصورة يمكن لها تبسيط المفهوم بشكل كبير، فتعريف الإنسان لنفسه يتعدى ما هو مكتوب في أوراقه الرسمية، نحو جميع القصص التي تتصل به، فتتحول مع الزمن إلى صورة ذهنية تعرفه بشكل أكثر واقعية، ما يعيد التأكيد على أن الهوية "بناء سردي"، يسهم في بناء صورة الذات والآخر أيضا.
واحدة من أهم الطروحات التي يشدد عليها إبراهيم، هي أن الهوية لا يمكن أن تعيش إذا تحولت إلى "متحف" بالتعامل مع الماضي مكانا للسكن الدائم، فالعقلانية تحتم إخضاع الماضي للفهم والإلهام والنقد، ولا يمكن اختصارها في كتب التاريخ التي غالبا ما تقدم صورة تشكلت ضمن الاشتراطات الموضوعية للزمن الذي حدثت فيه.
"تقديس" الماضي و"تحريم" نقده، يسهمان بفقدان الإنسان قدرته على التفاعل مع الزمن، وإغراق الأمم في وهم خطير يتمثل في أن خلاصها يكمن في استعادة الماضي، والتعامي عن ضرورة إنتاج الحاضر والمستقبل، ما يؤدي إلى خطر "التحنط" في الماضي بتحويله إلى سلطة مطلقة تمنع السؤال والتجريب والتجديد.
هذه "الصورة" سمة غالبة في عالمنا العربي، وتتبدى باستدعاء النماذج الأكثر تميزا في التاريخ، سواء كانت دينية أو قومية، والتأكيد على أنها حبل النجاة وطريق استعادة الأمة لقوتها في حال أعدنا إنتاجها في حاضرنا. لذلك يتم استدعاء "بغداد العباسية"، و"الأندلس"، و"دمشق الأموية"، أو التأكيد على أن "تاريخنا يغنينا عن التعلم من الآخرين"، أو "كل جديد تهديد لأصالتنا"، بما يحول الهوية من قوة دافعة إلى قيد يفقدنا القدرة على الحركة والإنتاج.
ضمن هذا السياق، يعيش الخطاب الثقافي ويستخدم بطريقة دفاعية تجعل الماضي دليلا على القيمة الحالية، وتعويضا عن الحاضر، بينما ينظر إلى مساءلة التراث أو إعادة قراءته على أنه تهديد خطير، فتنشأ أجيال تحفظ التاريخ ورموزه، لكنها غير قادرة على النقد والابتكار وإنتاج معرفة جديدة.
الأمم الأخرى التي تقدمت لا شك أن لها تراثا قوميا كبيرا هي الأخرى، فاليابان مثلا، قدمت نموذجا متقدما في هذا السياق، فهي احتفظت باللغة والطقوس التراثية والفنون التقليدية وأخلاقيات العمل الجماعي، لكنها لم تجعل التراث حاجزا أمام تقدمها الصناعي والتكنولوجي، ولم تتغنَ بثقافة "الساموراي" وتهمل البحث العلمي، وإنما حولت الموروث إلى طاقة ثقافية تدفعها نحو المستقبل.
الصين، كذلك، تمتلك واحدة من أقدم الحضارات، لكنها استخدمت إرثها الثقافي كعنصر قوة ناعمة، واقتحمت بقوة عالم الذكاء الاصطناعي والتصنيع والاقتصاد العالمي، ولم تتجمد داخل تاريخها.
كوريا الجنوبية كانت متأخرة في جميع مؤشرات النمو حتى مطلع ستينيات القرن الماضي، لكنها اليوم تمثل قوة ثقافية عالمية بعد أن أعادت اختراع هويتها عبر التعليم والتكنولوجيا والصناعات الإبداعية والسينما والدراما والموسيقا، لتصبح شركات مثل "سامسونج" جزءا من السردية الوطنية الجديدة.
خطر التحنط في الماضي، ربما يمكننا قراءته بوضوح في الإمبراطورية العثمانية، خصوصا في مراحلها الأخيرة، حين بدأت بعض مؤسسات الدولة تتمسك بأنماط الإدارة القديمة، بينما كانت أوروبا تدخل الثورة الصناعية، لتظهر فجوة حضارية كبيرة، سببها الاعتقاد أن الماضي وحده يكفي لمواجهة عالم يتغير، ما أدى إلى انهيار تلك الإمبراطورية.
عبد الله إبراهيم يدعو بوضوح إلى تحرير الماضي من التقديس الأعمى، لكنه لا يدعو أبدا إلى القطيعة معه، وإنما أن نكف عن السكن في داخله، فالهوية تموت حين تصبح "ذكرى"، والأمة التي لا تملك سرديتها، غالبا ستعيش داخل سردية الآخرين عنها.
العرب يملكون ذاكرة حضارية غنية أسهمت في نهضة التاريخ الإنساني. لكن مجرد امتلاك هذا الإرث لا يصنع هوية معاصرة تلقائيا، خصوصا حين يدخل العالم عصر الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، وتحولات التعليم التي ما نزال بعيدين عنها. أسئلة الهوية اليوم ينبغي أن تتجه نحول تحولات إنتاج المعرفة في الجامعات، وتطوير اللغة العربية وتطبيقاتها لتتحول إلى لغة علم وتقنية، وأن نطور آليات وأشكالا جديدة لنحكي قصتنا للعالم عبر السينما والموسيقا والمنصات الرقمية.







