المومني يكتب: المحتوى الضار ومسؤولية الدولة في الحماية الرقمية
د.نهلا عبدالقادر المومني
في قرار جديد، أعلنت هيئة تنظيم قطاع الاتصالات في الأردن بالتعاون مع جميع مزودي خدمات الإنترنت وشركات الاتصالات تنفيذ إجراءات تقنية صارمة لحجب الوصول إلى المواقع الإباحية عبر كافة الشبكات داخل المملكة. سبق ذلك قرارا كان قد صدر العام السابق بحجب أجزاء من اللعبة الشهيرة «روبليكس»؛ نظرا لتأثيرها السلبي المتزايد على فئة الأطفال.
قرار مهم، طال انتظاره في ظل تداعيات هذه المواقع على فئات المجتمع كافة وخاصة الأطفال والآثار التي تخلفها اجتماعيا ونفسيا وسلوكيا. هذا القرار على أهميته قد يكون قد أثار تساؤلات عن مدى توافق إجراءات الحجب للمواقع الإباحية أو لبعض الألعاب وحرية الدخول للفضاء الإلكتروني وحرية الإنترنت والممارسات الفضلى والمعايير الدولية في هذا الإطار.
وهنا تجدر الإشارة وفي إطار تأصيل هذا القرار دوليا إلى أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية قد نص في المادة(19/3) منه على جواز تقييد حرية التعبير بكافة مكوناتها بما في ذلك حرية النفاذ إلى شبكة الإنترنت -وفق التعليقات العامة على هذه المادة- لمجموعة من القيود، منها التقييدات التي قد تفرضها الدول حماية للنظام العام بكافة مكوناته بما في ذلك الأخلاق العامة.
وقد خضع هذا التقييد أيضا لتطبيقات قضائية؛ حيث سبق أن عرض أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قضية مشابهة وإن كانت تتعلق بمنع أحد المنشورات في المملكة المتحدة الذي وجد أنه يؤثر سلبا على فئة الأطفال وقد أكدت المحكمة حينها على أن منع نشر هذا الكتاب وتداوله تم حسب تقييدات حددتها القوانين البريطانية وأن أسبابا مشروعة كانت وراء هذه التقييدات التي تمت لحماية المجتمع الديمقراطي. كما بينت المحكمة في الحكم ذاته أنه ليس بالإمكان استخلاص مفهوم موحد للأخلاق العامة من القوانين الداخلية للدول الأطراف المتعاقدة، وتترك الفقرة الثانية من المادة العاشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لهذه الدول سلطة تقديرية لتحديد ما هو ضروري لحماية الأخلاق العامة.
إذا تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي أو حجب بعض الألعاب أو المواقع التي تجد الدول أن لها تأثيرات نفسية واجتماعية وثقافية على الأطفال تحديدا يعد بالنتيجة من الهوامش التقديرية التي يمكن للدول أن تمارس صلاحياتها أمامها، استنادا إلى منظومة القيم والأخلاق العامة والتي قد تختلف بطبيعة الحال من دولة إلى أخرى.
بالرغم من اختلاف منظومة القيم والأخلاق العامة بين دول العالم أجمع إلا أنه ما هو متفق عليه دوما هو ضرورة حماية الأطفال من الفضاء الإلكتروني وهنا الهامش التقديري للدولة يكون واسعا؛ وذلك بسبب عدم اكتمال النمو النفسي والاجتماعي والذهني للأطفال ما يجعلهم من الفئات الأكثر حاجة للحماية أمام فضاء إلكتروني واسع، لا قيود جغرافية وزمانية عليه. وهو الأمر الذي يتوافق أيضا مع مبدأ مصلحة الطفل الفضلى؛ ذلك المبدأ الجوهري في الذي تنص عليه اتفاقية حقوق الطفل والتي توجب على الدول الأطراف فيها اتخاذ الإجراءات الإدارية والتشريعية والقضائية اللازمة لمنع أي استغلال للأطفال بغض النظر عن شكله.
إذا وعودا على بدء، قرار طال انتظاره يحقق مصلحة عليا في المجتمع بحماية أفراده من هذه المواقع وبشكل خاص الأطفال، وهو قرار في الاتجاه الصحيح في إطار تنظيم الفضاء الإلكتروني، مع التأكيد على ضرورة العمل في الوقت ذاته على رفع الوعي وتحقيق الحصانة والمنعة الذاتية لدى الأفراد لتمكينهم من التعامل مع هذا الفضاء الإلكتروني الواسع.
وبالانتظار أيضا قرار يضع تنظيما واضحا لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل الأطفال، وذلك تيمنا بتجربة عدد من الدول التي اتخذت هذه الخطوة الجريئة حماية للطفولة ووقاية لها من مضار هذه الوسائل التي أصبحت عبئا على كاهل الأطفال وذويهم.







