الدعجة يكتب: عمّان.. عاصمة التهدئة في الشرق الأوسط
حسن الدعجة
يشهد الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية في ظل تصاعد الأزمات الإقليمية وتزايد احتمالات الانزلاق نحو مواجهات أوسع تهدد أمن المنطقة واستقرارها، الأمر الذي أعاد التأكيد على أهمية الدبلوماسية الوقائية ودور الدول القادرة على بناء جسور الحوار واحتواء التوترات. وفي هذا السياق، برزت المملكة الأردنية الهاشمية بقيادة الملك عبدالله الثاني كأحد أبرز الفاعلين الإقليميين الذين يقودون حراكًا دبلوماسيًا متوازنًا يهدف إلى خفض التصعيد والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، انطلاقًا من رؤية سياسية تقوم على الاعتدال والحوار والحلول السياسية.
لقد تبنى الأردن منذ سنوات سياسة خارجية تقوم على التوازن والانفتاح على مختلف الأطراف، مع الحرص على تجنب الاستقطابات الحادة التي تشهدها المنطقة. ويعود ذلك إلى إدراك عمّان أن استمرار التوترات والصراعات لا يهدد فقط الأمن الإقليمي، بل ينعكس بشكل مباشر على الأمن الاقتصادي والإنساني والاجتماعي لدول المنطقة كافة. ومن هنا، جاء الحراك الدبلوماسي الأردني ليؤكد باستمرار ضرورة تغليب الحلول السياسية على الخيارات العسكرية، والدعوة إلى معالجة جذور الأزمات بدلاً من الاكتفاء بإدارة تداعياتها.
ويحظى الدور الأردني بأهمية خاصة نظراً لما تتمتع به المملكة من مصداقية سياسية وعلاقات متوازنة مع القوى الدولية والإقليمية المختلفة، الأمر الذي منحها قدرة على التحرك كوسيط موثوق وصوت عقلاني يدعو إلى التهدئة. وقد انعكس ذلك في التحركات والاتصالات المكثفة التي يقودها الأردن على المستويات العربية والإقليمية والدولية بهدف منع اتساع دائرة الصراع في المنطقة، خاصة في ظل التطورات الخطيرة المرتبطة بالحرب في غزة والتوترات الممتدة إلى عدد من الساحات الإقليمية.
ويؤكد الأردن باستمرار أن الأمن والاستقرار في المنطقة لا يمكن تحقيقهما من خلال القوة العسكرية وحدها، بل عبر إيجاد أفق سياسي حقي يعالج القضايا الأساسية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي يراها الأردن جوهر الصراع وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. ولهذا ركزت الدبلوماسية الأردنية على ضرورة وقف التصعيد، وحماية المدنيين، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية، والعمل على إعادة إحياء المسار السياسي الذي يفضي إلى حل عادل وشامل على أساس حل الدولتين.
وفي إطار هذا الحراك الدبلوماسي المتواصل، جاءت القمة الثلاثية التي تستضيفها عمّان اليوم لتؤكد مجددًا الدور المحوري الذي تضطلع به المملكة في تقريب وجهات النظر العربية وتعزيز التنسيق المشترك تجاه التحديات الإقليمية المتصاعدة. وتعكس هذه القمة إدراكًا عربيًا متزايدًا لأهمية توحيد المواقف وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لمواجهة حالة التصعيد المتنامية، والعمل على حماية المنطقة من الانزلاق نحو مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
وتحمل القمة الثلاثية أبعادًا سياسية واستراتيجية مهمة، فهي لا تقتصر على مناقشة التطورات الأمنية الراهنة، بل تسعى أيضًا إلى تعزيز التعاون والتنسيق العربي في الملفات السياسية والاقتصادية والإنسانية، بما يسهم في بناء موقف إقليمي أكثر تماسكًا وقدرة على التعامل مع الأزمات. كما تعكس الثقة بالدور الأردني باعتباره منصة للحوار العربي ومساحة للتوافق السياسي في ظل التحديات المعقدة التي تمر بها المنطقة.
ويبرز في هذا السياق النهج الأردني القائم على «الدبلوماسية الهادئة»، والتي تعتمد على الحوار المستمر والاتصالات المكثفة مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، بعيدًا عن الخطابات التصعيدية أو السياسات الانفعالية. وقد مكّن هذا النهج الأردن من الحفاظ على حضوره الفاعل في مختلف الملفات الإقليمية، ومن بناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية التي تعزز قدرته على التأثير والمبادرة.
كما يدرك الأردن أن الحفاظ على الاستقرار الإقليمي يرتبط أيضًا بالأبعاد الاقتصادية والإنسانية، وليس فقط الأمنية والعسكرية. فاستمرار الأزمات يفاقم من مشكلات اللجوء والفقر والبطالة والتحديات الاقتصادية، وهو ما يفرض ضرورة تبني مقاربة شاملة تربط بين الأمن والتنمية. ومن هنا جاءت الدعوات الأردنية المتكررة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي، ودعم جهود إعادة الإعمار، وتهيئة بيئة مستقرة تساعد على التنمية والاستثمار.
ولا يمكن فصل الحراك الدبلوماسي الأردني عن الدور التاريخي للمملكة في الدفاع عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث يواصل الأردن جهوده السياسية والإنسانية والدبلوماسية لحماية الحقوق الفلسطينية والدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف من خلال الوصاية الهاشمية. وقد شكّل هذا الموقف الثابت أحد أهم عناصر المصداقية التي يتمتع بها الأردن على المستوى العربي والدولي.
وفي ظل حالة الاستقطاب الدولي الراهنة، يحاول الأردن الحفاظ على سياسة متوازنة تقوم على الانفتاح والتعاون مع مختلف القوى الدولية، مع التأكيد على احترام القانون الدولي وضرورة حل النزاعات عبر الوسائل السلمية. وهذا ما يجعل من الدبلوماسية الأردنية نموذجًا لسياسة عقلانية تسعى إلى حماية المصالح الوطنية وفي الوقت نفسه الإسهام في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.
وفي المحصلة، فإن الحراك الدبلوماسي الأردني يعكس رؤية إستراتيجية تدرك أن استقرار المنطقة مسؤولية جماعية تتطلب الحوار والتنسيق والعمل المشترك، بعيدًا عن منطق التصعيد والمواجهة المفتوحة. كما تؤكد القمة الثلاثية التي تستضيفها عمّان اليوم أن الأردن ما يزال يمثل مركزًا مهمًا للحوار العربي والإقليمي، وقوة توازن تسعى إلى احتواء الأزمات وبناء مقاربات سياسية أكثر هدوءًا وواقعية. وفي ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الشرق الأوسط، تبدو الحاجة إلى هذا الدور الأردني أكثر أهمية من أي وقت مضى، باعتباره صوتًا يدعو إلى الحكمة والاعتدال والحلول السياسية التي تحفظ أمن المنطقة واستقرار شعوبها.







