التل يكتب: نقد تصور "منتدى الفكر العربي" للدولة: ملاحظات منهجية في مفهوم المرجعية والإقصاء
د. مصطفى التل
تتناول هذه الورقة بالتحليل والنقد المقال الذي نشره الأستاذ الدكتور عبد الحسين شعبان، أمين عام منتدى الفكر العربي، تحت عنوان "الدولة الوطنية: أفقًا عربيًا"، وذلك بعد اطلاعي على خلاصات جلسات "العصف الفكري" التي عقدها المنتدى في عمان برعاية سمو الأمير الحسن بن طلال.
وانطلاقاً من احترامي العميق للمنتدى وللقائمين عليه، وللدور الكبير الذي لعبه المنتدى على مدى عقود في استضافة الحوارات الفكرية الجادة، فإنني أرى أن من واجب الأكاديميين والنقّاد المساهمة في تعميق هذه الحوارات من خلال تقديم ملاحظات منهجية موضوعية، قد تسهم في توسيع أفق النقاش بدلاً من حصره في إطار واحد.
هذه الملاحظات ليست هجوماً على المنتدى أو على شخص الدكتور شعبان، بل هي مساهمة متواضعة في "العصف الفكري" ذاته، آملًا أن تجد طريقها إلى النقاش العلمي الحر, من خلال عدة محاور :
.
أولاً: إشكالية تصنيف "التيار الإسلامي" كأيديولوجيا شبيهة بالقومية والشيوعية
يبدأ الدكتور شعبان مقاله بتصنيف التيارات التي شككت بالدولة الوطنية إلى ثلاثة: قومي، شيوعي، إسلامي، واصفاً إياها جميعاً بأنها "نماذج خلاصية لا تعترف بالدولة القائمة وتنحو باتجاه الهوية الأكبر" , هذا التصنيف من الناحية المنهجية، يواجه إشكاليات عدة:
أولها: أن الإسلام ليس "تياراً" أيديولوجياً بالمعنى الحديث، بل هو دين الغالبية العظمى من سكان المنطقة العربية، وهو مرجعية دستورية في دساتير معظم الدول العربية (تنص المادة الثانية في معظمها على أن "الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع").
حين نضع الإسلام في المصاف نفسه مع الشيوعية – وهي أيديولوجية دخيلة انهارت تاريخياً – أو مع القومية – وهي مشروع سياسي حديث – فإننا نرتكب مغالطة منهجية خطيرة، لأننا نساوي بين كيان له صفة "الهوية الجامعة الثابتة" وبين كيانات لها صفة "الخيارات الأيديولوجية المتغيرة".
من منظور علم الاجتماع السياسي، لا يصح وضع الدين والأيديولوجيا في مرتبة واحدة دون تمييز دقيق.
ثانيها: أن هذا التصنيف يغفل وجود تيار إسلامي واسع لا يدعو لا إلى "دولة الخلافة" التاريخية بالمعنى الجامد، ولا إلى "ولاية الفقيه" بالمعنى الإيراني، بل يدعو إلى "دولة ذات مرجعية إسلامية" تقوم على الاجتهاد الجماعي والمقاصد الشرعية، وتحترم الحدود القطرية القائمة كواقع مرحلي، وتسعى إلى إصلاح مؤسساتها وفق أحكام الشريعة ومبادئها العادلة.
هذا التيار الوسطي، الذي يمثل الغالبية الصامتة من المسلمين العرب، لا يجد مكاناً في التصنيف الثلاثي، مما يشير إلى أن التصنيف يعاني من إقصاء معرفي لهذا الخيار الحضاري الحي.
المفارقة أن تجاهله هو ذاته ما يدفع بعض الشباب نحو التطرف، حين يشعرون أنه لا خيار أمامهم سوى "الخلافة" أو "العلمانية".
لذلك، أقترح من باب الموضوعية الأكاديمية، أن يكون هناك تمييز واضح، في خطاب المنتدى، بين:
• الإسلام كمرجعية هوياتية دستورية (وهو ما تلتزم به دساتيرنا) .
• الحركات الإسلامية السياسية (وهي تجارب بشرية قابلة للنقد والتقييم)
• الخيارات الإسلامية التفصيلية (كالدعوة للخلافة أو ولاية الفقيه أو غيرها) .
فخلط هذه المستويات يؤدي إلى تشويه الصورة وتعقيد الحوار بدلاً من تسهيله.
ثانياً: حول "الأساس الأوروبي للدولة العصرية": بين الضرورة التاريخية والقابلية للتعميم
يخلص الدكتور شعبان إلى أن "التعاقد (العقد الاجتماعي) والعقلانية وحكم القانون هي المشتركات بين هوبز ولوك وروسو، وهو الأساس في الدولة العصرية".
هذا الاستنتاج، رغم صحته من حيث وصف النشأة التاريخية للدولة في أوروبا، يحتاج إلى وقفة نقدية من وجهة نظر منهجية، وذلك للأسباب التالية:
أولاً: أن نشأة الدولة الوطنية في أوروبا كانت استجابة لظروف خاصة جداً: حروب دينية طاحنة بين الكاثوليك والبروتستانت استمرت ثلاثة عقود، وصراع مرير بين الكنيسة والدولة، وإرث إقطاعي طبقي عنيف.
من منظور فلسفة التاريخ، ليس من المشروع تعميم نموذج نشأ كـ "حل طوارئ" لمشكلة إقليمية خاصة، وجعله "قانوناً تاريخياً" يجب أن تمر به كل الأمم.
فهذا النوع من التعميم يذكرنا بالنماذج التطورية الخطية التي نقدها كبار مؤرخي الحضارات (مثل آرنولد توينبي) والتي أثبتت فشلها في تفسير تنوع مسارات الأمم.
ثانياً: أن نظرية "العقد الاجتماعي" بهذه الصيغة (هوبز، لوك، روسو) هي نتاج بيئة فلسفية مسيحية أوروبية، عانت من مشكلة إشكالية : "إذا كان الله هو مصدر السلطة، فكيف نمنع استبداد من يحكم باسمه" ؟!
فكان "العقد الاجتماعي" هو الحل : نقل السيادة من السماء إلى الأرض، من الله إلى الشعب (أو إلى الحاكم بحسب هوبز).
لكن العالم الإسلامي لم يعرف هذه الإشكالية أصلاً , ففي الفقه السياسي الإسلامي، السيادة المطلقة لله في التشريع وحده، والحاكم ليس "ظل الله على الأرض" ولا "نائب الله" ولا يمتلك أي صفة إلهية، بل هو عبد مكلف بتنفيذ شريعة الله ومسؤول أمام الله أولاً وأمام الأمة ثانياً، وعزله جائز ويرتقي الى الواجب عند اذا لم تتوفر فيه أو اختل فيه أي شرط للقيادة ( الامامة الكبرى ) .
هذا التصور المختلف يقدم نموذجاً ثالثاً: ليس "الحق الإلهي" الأوروبي، وليس "العقد الاجتماعي" العلماني، بل "الخلافة على منهاج النبوة" الذي يجمع بين المرجعية الإلهية الثابتة (في الأصول) والمرونة البشرية (في التفاصيل والاجتهاد).
من هنا، أتقدم بسؤال أكاديمي للدكتور شعبان ومنتدى الفكر العربي، وهو في صميم اهتمام المنتدى بفلسفة الدولة : هل من الممكن منهجياً دراسة نموذج الدولة ذات المرجعية الإسلامية كبديل مستقل، ليس فقط كنقد لما هو كائن، بل كبناء نظري لِما يمكن أن يكون؟! , وهل يمكن لمنتدى الفكر العربي أن يستضيف أو يناقش هذا النموذج بشكل جاد في جلسات قادمة؟!
ثالثاً: إشكالية الإقصاء المعرفي: لماذا يغيب الخبراء ذوو المرجعية الإسلامية عن "العصف الفكري"؟!
ربما يكون هذا هو المبحث الأكثر جوهرية، والأكثر حاجة إلى وقفة موضوعية.
من خلال قراءة خلاصات جلسات "العصف الفكري" التي يشير إليها الدكتور شعبان، ومن خلال متابعة نشاطات المنتدى لسنوات، يلاحظ المتتبع قلة حضور الخبراء ذوي التخصص في العلوم الإسلامية التطبيقية (الفقه الدستوري، الاقتصاد الإسلامي، التربية الإسلامية، الإعلام الإسلامي) في هذه الفعاليات، أو حضورهم بهامش رمزي لا يتيح لهم المساهمة الجوهرية.
هذه الملاحظة ليست اتهاماً، بل هي ظاهرة تستحق التحليل من منظور سوسيولوجيا المعرفة:
1. هل يعترف المنتدى بوجود "خبير اقتصادي إسلامي" له منهجية وأدوات وأسئلة مختلفة عن الخبير الاقتصادي الوضعي؟!
2. هل يعترف المنتدى بوجود "خبير دستوري إسلامي" يمكنه قراءة "الأحكام السلطانية" أو "السياسة الشرعية" لابن تيمية بنفس الجدية التي يقرأ بها "العقد الاجتماعي" لروسو؟!
3. لِمَ لا تُستضاف هذه الكفاءات في جلسات "العصف الفكري" حول الدولة، كما تستضاف الكفاءات ذات المرجعية الغربية والقومية؟!
إذا كان المنتدى يهدف إلى "العصف الفكري" بمعناه الحقيقي – وهو تفجير الطاقات الفكرية من كل الاتجاهات للوصول إلى أفكار جديدة – فإن إقصاء هذه المرجعية المعرفية الواسعة (التي تمثل عقيدة وهواجس الملايين من المواطنين العرب) هو تحديد مسبق لنتائج "العصف" وجعلها تصب في اتجاه واحد.
يمكن صياغة هذا الأمر كاقتراح علمي: أقترح على المنتدى تنظيم جلسة "عصف فكري" متخصصة يشارك فيها خبراء ذوو مرجعية إسلامية وراسخون في تخصصاتهم، لاستعراض نموذجهم للدولة ذات المرجعية الإسلامية، ثم فتح باب النقد الأكاديمي لهذا النموذج من قبل باقي المشاركين , أعتقد أن مثل هذه الجلسة ستكون إضافة حقيقية للمنتدى، وستثري النقاش وتخرجه من دائرة التكرار.
رابعاً: الدولة الوطنية القطرية: واجب مرحلي، لكن بأي روح؟
أتفق مع الدكتور شعبان تماماً على أن الحفاظ على الدولة الوطنية القطرية القائمة هو واجب مرحلي في ظل مشاريع التقسيم والتفتيت الجيوسياسي التي تتعرض لها المنطقة.
لا خلاف بيننا على أن انهيار هذه الدول سيفتح أبواب جهنم من الفتن الأهلية والصراعات العرقية والمذهبية، كما رأينا في نماذج عربية مؤلمة.
لكن الاتفاق على "المحافظة على الكيان" لا يعني الاتفاق على "الروح" التي تحيا بها هذه الكيانات , هنا يمكن صياغة مفارقة منهجية يحتاج المنتدى إلى معالجتها:
• الروح التي يقدمها الدكتور شعبان ومنتدى الفكر العربي هي روح الدولة العلمانية ذات المرجعية الغربية (ويستفاليا – العقد الاجتماعي – القانون الوضعي). وهي روح تعترف بالإسلام كشعار وطقس، ولكنها لا تسمح له بأن يكون مرجعاً ملزماً في السياسة والاقتصاد والقضاء والتعليم.
• الروح التي نقترحها في هذه السلسلة هي روح الدولة ذات المرجعية الإسلامية، التي تحترم الحدود القطرية القائمة، وتتعامل مع العصر باجتهاداتها المستمرة، ولكنها تجعل من الكتاب والسنة مصدرها الأسمى للتشريع، وتُشرك العلماء وأهل الاختصاص في صنع القرار، وتحرر اقتصادها من الربا والتبعية، وتبني مناهجها على القيم الإسلامية قبل المهارات.
السؤال الذي يمكن وضعه على طاولة "منتدى الفكر العربي" كموضوع لجلسة قادمة هو: أي هاتين الروحين أقدر على حل الأزمات المزمنة في عالمنا العربي: الابتزاز الإلكتروني، والتفكك الأسري، وتردي الأخلاق في الفضاء العام، وأزمة التعليم، والتبعية الاقتصادية؟
النموذج الغربي (العلماني) فشل في حل هذه الأزمات في بلدانها الأصلية، فكيف ستنجح نسخته المستوردة عندنا؟!
النموذج الإسلامي يمتلك أدوات (الكوابح الذاتية القائمة على مراقبة الله، والتكافل الاجتماعي المؤسسي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) قد تكون أكثر فاعلية، لكنه يحتاج إلى فرصة للتجريب والتطوير في إطار دولة عصرية.
خاتمة: دعوة للحوار لا للمواجهة
هذه الورقة ليست هجوماً على منتدى الفكر العربي أو على شخص الدكتور عبد الحسين شعبان، الذي أحترم مسيرته الأكاديمية الطويلة.
إنما الغرض هو المساهمة في نقاش علمي جاد، وتقديم وجهة نظر منهجية مختلفة، علها تثري "العصف الفكري" بدلاً من أن تبقى أصواتها خارج أسوار المنتدى.
إن أمنية هذه الملاحظات أن يجد الخطاب الإسلامي طريقه إلى المنابر الفكرية الأكاديمية الكبرى (كمنتدى الفكر العربي)، ليُسمع وليُناقش وليُختبر، بدلاً من أن يُهمش أو يُختزل في صورته ( المفترضة المسبقة) وهو المتطرف .
المنتدى هو المكان الأنسب لمثل هذا الحوار، لأنه يمتلك الرصيد، والسمعة، والشبكة، والجرأة الفكرية.
الهدف واحد: البحث عن أفضل السبل لإنقاذ دولتنا الوطنية من التفكك والانهيار، وإعادة بناء أسسها على ما يناسب عمقنا الحضاري وتحديات عصرنا. والله ولي التوفيق.




