تحول سياسي وفكري عميق يضرب العلاقة التقليدية بين أمريكا وإسرائيل
نشرت نيويورك تايمز وواشنطن بوست تقريرين سلطا الضوء على تحول سياسي وفكري عميق يضرب العلاقة التقليدية بين أمريكا وإسرائيل، ليس فقط داخل الحزب الديمقراطي كما كان الحال خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بل أيضا داخل التيار اليميني الشعبوي المرتبط بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
ويظهر التقريران أن الحرب التي شنتها أمريكا إلى جانب إسرائيل، ضد إيران سرعت هذا التحول، ودفعت قضية إسرائيل إلى قلب الصراع الداخلي في السياسة الأمريكية.
ويرى تقرير نيويورك تايمز الذي يحمل توقيع أنطون ترويانوفيسكي، أن ما يجري داخل حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" (ماغا) ليس مجرد خلاف عابر حول السياسة الخارجية، بل صراع على هوية التيار الترامبي نفسه.
فاليمين الأمريكي الذي كان لعقود يُعرّف نفسه باعتباره داعما غير مشروط لإسرائيل، بدأ يشهد تمردا متزايدا، خصوصا بين الشباب المحافظين والمؤثرين الجدد في عالم البودكاست ووسائل التواصل الاجتماعي.
وتبرز الصحيفة شخصية لورا لومر، الناشطة اليمينية المتطرفة والمقربة من ترمب، بوصفها إحدى أبرز المدافعين عن إسرائيل داخل المعسكر المحافظ. وتقول لومر إن التحول ضد إسرائيل داخل اليمين يشبه "حالة ذهان جماعي"، معتبرة أن ما تسميه "متلازمة كراهية إسرائيل" باتت تنتشر بين المحافظين الشباب. وأوضحت أنها تستعد لإطلاق نشرة إعلامية جديدة لمهاجمة الأصوات اليمينية المنتقدة لإسرائيل، وعلى رأسها المذيع المحافظ تاكر كارلسون.
تناقض مع المصالح الأمريكية
وبحسب التقرير، فإن كارلسون أصبح الصوت الأكثر تأثيرا داخل الجناح اليميني الرافض للحرب على إيران، إذ اتهم إسرائيل بدفع ترمب إلى الحرب وجعل الرئيس الأمريكي "أسيرا لمصالح أجنبية". ويرى ترويانوفيسكي أن هذا الخطاب يعكس تغيرا جذريا داخل قاعدة "أمريكا أولا"، التي باتت تنظر إلى الدعم العسكري لإسرائيل باعتباره تناقضا مع المصالح الأمريكية.
ويشير التقرير إلى أن الحرب على إيران عمقت هذا التحول الذي بدأ أصلا مع الحرب على غزة. فاستطلاعات الرأي أظهرت تراجعا واضحا في التأييد لإسرائيل، خاصة بين الجمهوريين الشباب. ووفقا لاستطلاع أجراه مركز بيو، فإن 57% من الجمهوريين تحت سن الخمسين باتوا يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ35% فقط عام 2022.
أما تقرير واشنطن بوست الذي كتبه إسحاق أرنسدورف، فيوسع الصورة ليؤكد أن الانقسام لم يعد محصورا داخل اليمين، بل أصبح أزمة عابرة للحزبين الجمهوري والديمقراطي، ذلك أن "الإجماع المؤيد لإسرائيل" الذي حكم السياسة الأمريكية لعقود ينهار تدريجيا تحت ضغط الحربين في غزة وإيران.
موضوع انتخابي حساس
ويستعرض التقرير كيف تحولت قضية إسرائيل إلى موضوع انتخابي حساس حتى في الانتخابات التمهيدية المحلية. ففي الحزب الديمقراطي، بات مرشحون كثر يطالبون علنا بوقف مبيعات السلاح لإسرائيل أو وصف الحرب في غزة بأنها "إبادة جماعية".
وينقل التقرير عن عبد السيد، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان، قوله إن الموقف من إسرائيل أصبح اختبارا لمصداقية السياسيين واستعدادهم لمواجهة "المؤسسة السياسية التقليدية".
وفي المقابل، يوضح التقرير أن بعض الجمهوريين الشعبويين بدؤوا يهاجمون إسرائيل بصورة غير مسبوقة. فالمرشح الجمهوري لمنصب حاكم فلوريدا جيمس فيشباك يرفع شعار "لا ينبغي لأي أمريكي أن يموت من أجل إسرائيل"، بينما يدعو آخرون إلى وقف شراء السندات الإسرائيلية وإنهاء المساعدات العسكرية بالكامل.
نزعة قومية انعزالية
وترى الصحيفة أن هذا التحول مرتبط بعوامل متعددة، منها الإرهاق الشعبي من الحروب الخارجية، وصعود النزعة القومية الانعزالية، وانتشار الخطاب المناهض للمؤسسة التقليدية لدى الجيل الجديد من المحافظين.
كما تشير الصحيفة إلى أن الأصوات المؤيدة لإسرائيل أصبحت تخشى فقدان السيطرة على قواعد الحزب الجمهوري، خصوصا مع صعود شخصيات مثل تاكر كارلسون ومارجوري تايلور غرين وتوماس ماسي.
وتشير الصحيفتان إلى مفارقة لافتة: ففي الوقت الذي خاضت فيه أمريكا وإسرائيل أول حرب مشتركة مباشرة ضد إيران، كانت قطاعات واسعة من القاعدة الشعبية المحافظة تتحرك في الاتجاه المعاكس، رافضة التورط العسكري ومشككة في التحالف مع إسرائيل.



