الشاشاني يكتب: وكالات و مفاوضات لبنان

{title}
أخبار الأردن -

 

د. راشد الشاشاني

كي يتغيّر لبنان ....

نبدا من اخر التطورات في الملف اللبناني ، بالذات اعلان الرئيس الامريكي عن اتصال مباشر بين الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الاسرائيلي ، والذي قد يكون بمشاركة ماركو روبيو ، ما نريد قوله : ليس اهمية عِلْم لبنان الرسمي بهذا الاتصال الذي ظهر فجاة ، وسارعت الرئاسة اللبنانية على لسان متحدثها الى نفي العلم به ، ولا ما اشيع عن نصيحة بري بعدم إجراء اتصال كهذا ؛ يقف معه في هذا الرأي - بحسب ما اشيع ـ وليد جنبلاط ، وما تلا ذلك من اتصال بين عون والجانب الامريكي الذي رفض فيه الاتصال المباشر ، بل ما يعنينا أنّه أقر ضمنا بالإجراء الامريكي غير اللائق بحق لبنان ورئاسته ، الاجراء المتمثل بصورة تظهر ان ترامب من يعطي اوامر التحرك ، حيث لم يتسرب اي مستوى ـ ولو ببضع كلمات ـ من التعبير عن عدم اللياقة هذا من قبل الرئيس عون .

في قراءة حالة الاستدراج الامريكية هذه ، وحذر لبنان المرتبك احيانا والمتسرّع أحيانا اخرى ، لا يبدو مفيدا هذه المرة وضع سم التوافق اللبناني - الاسرائيلي و الذي يوصف " بالتاريخي" في دسم وقف اطلاق النار الذي قُدّم قربانا ل الى لبنان الرسمي ؛ بغية ضمان سيره في هذا المسار بعد عرض هذه الهدية من قبل المؤسسة الرسمية على الشعب اللبناني التوّاق بشغف الحرمان الىى اطفاء هذا الحريق ، الذي يحمل في طياته ما يبدو انه تخطّى قدرات لبنان الرسمي على السير الحذر فوق جدار عزل التحام الزيت بالنار .

لقد بدت سرعة انزلاق لبنان الرسمي بعد دخوله فخ الحاجة الى وقف إطلاق نار لا يحتمل الدراسة ؛ بفعل توسع الهجمات الاسرائيلية التي اجبرت لبنان على البحث عن مداخل لن نقول انّها تنازلات  -وفقا لما يراه جانب حزب الله ومن معه ـ مع انها قد تتضمن ذلك ـ بل ولأنّنا نرى انه من غير المعقول ان تدار دولة باكثر من ثقل عسكري ، وفي سياق عدم قدرة السيطرة على الوقائع بما يدفع الى السير مع التيارات ، فإن فخّا قد تم نصبه للبنان  ؛ يبدو ان مفعوله بدأ بالظهور .

ارتدادات التفخيخ هذه بدت جليّة  حين صدر اعلان السفير الاسرائيلي في واشنطن وبحضور السفيرة اللبنانية فيها بما يفيد بتشكيل جبهة موحدة وبحماية ورعاية امريكية لهذه الجبهة ، هذا الاتحاد في مواجهة لبنانيين ؛ بغض النظر عن كونهم ميليشيا غير قانونية او اتباع فئة مضادة لفكر بعض السلطة ، لا ينفصل الاتصال الذي ظهر اليوم فجأة عن سياق صياغة مشروع امريكي كان الى امد قريب غير مكترث بالشان اللبناني ، حين كانت حساباته تتجه الى ان ايران النظام  انتهت ؛ وسينتهي معها حزب الله حكما .

تغيّر حسابات حرب ايران ، وسعي ترامب الى اغلاق ملفّها بسرعة  تفوق سرعة خسارته ، دون ان يخسر اعلانه الاخير حول النصر ؛ تطلّب تحرّكات كهذه ؛ من شأنها تخفيف ضغط الصدام المباشر مع ابران واذرعها ، وتحويلها إلى وكالات تقوم بالمهمة ، لكن هذه المرة يجب ان تكون الوكالات رسمية وليست شعبية ، وهو ما يسوق خط سير هذا التخطيط ـ فيما لو لم تتوقف السلطات اللبنانية عن الانحناء بما يوزاي هذه التعرجات ـ الى توكيل المؤسسة الرسمية في لبنان مهمة عداء ابناء شعبها ، مع يضاف الى هذه المهمة من تنسيقات امنية وعسكرية تفرضها الظروف ؛ التي لن تترك سير الاحداث يحيد عن تصعيد محتوم ، فمن جهة لن يكون وقف اطلاق النار ـ فيما لو حصل ـ افضل من سابقه ، بمعنى : بقاء الاستهدافات الانتقائية ، ومن جهة لن تكون مهمة القضاء على حزب الله سهلة ولا مفيدة ، فهل يفلح ترامب بتحقيق ما عجزت عنه حاملات الطائرات بالمكر ؟

تفتيت حزب الله ـ فيما لو تمّ فعلا ـ لن يخدم أجندات ترامب في التضييق على ايران و رفعها راية الاستسلام ؛  سيّما مع ادراك ترامب ان حصار المضيق لن يُجدِ نفعا ، خصوصا مع ارتفاع كلفته العسكرية والاقتصادية في مقابل انعدام العائد منها ، في تزامن ذلك مع اشتداد هجوم خصوم ترامب ، كان آخرها تصريحات زعيم الديمقراطييين في مجلس الشيوخ تشاك شومر حول " الفشل الملحمي " .

ليس هذا فحسب ، فعلاوة على فكرة توالد التكتّلات المقاتلة فيما لو حصل السيناريو البعيد الصعب  ، وهو تفتيت حزب الله ، والتي تحدثنا عن نتائجها قبل نحو عامين وشأنها في توسيع امتداد الشرخ بيت كل مكونات الطوائف اللبنانية ، وعدم حصر جبهتها بالوضع الراهن ؛الذي لعبت عليه قوى العبث بلبنان ، وهو : الشيعي في مقابل البقية .

اضف الى ذلك فَرْد لبنان كساحة امتياز لعب امريكي في خطوة تسحب ـ وفقا لرؤية ترامب ومعه نتنياهو ـ نفوذ السعودية ، التي اعلنت سابقا ان حل الدولتين يشكل ارضية وسابقة لأية تفاهمات مع اسرائيل .

بعد اكتمال فكرة التنسيق الامني ـ على فرض اكتمال السير الرسمي اللبناني في هذا المسار ـ  سيواجه لبنان الجمال والسحر والسلام  سطوة مجلس ترامب للسلام ـ وهو في غنى عنها من الاصل ـ ربما كانت اولى مجسّات نبض هذه الآمال في فكرة " بيروت منزوعة السلاح " التي أُعدّت لجذب وتحشيد جبهوي مع لبنان الرسمي ضد حزب الله .

نشير في ما نريد ان نقول الى نصيحة كنا قد تقدمنا بها قبل ايام ؛ مُعلنين ان حشد مجموع ائتلافي يغطي مساحة طوائف لبنان مخصوما منها جبهة الثنائي ، بل وان كانت بعض مواقف بري تميل الى الجهة الرسمية ، كل ذلك لن يفي بمهمة آمنة تخلو من المخاطر التي اشرنا اليها ، ولا حتى ان تهبط بمستوى مخاطرها المرتفع ، لا ينبغي لعِلْم رئاسات لبنان وتياراتها وشعبويّاتها بمحاذير الاستمرار في تحمّل وخزات اقلاق حزب الله لمشهد السكون اللبناني ان تنساق على غير هدي الى خناجر وخنادق لن تكون السلامة منها امرا هيّنا ، ليست لانها الولايات المتحدة واسرائيل ؛ بل لان مصير لبنان ينبغي ان يصاغ بيد محترف لا مضطر .

لن تُحجب كوارث مسار كهذا ببساطة محاولات تأيدييّة ـ وان كانت بواعثها وطنية ـ ربما منها مؤتمر نواب بيروت الأخير ومحاولات مؤتمر اللقاء الوطني في معراب قبل اسابيع ، مثل هذه الجهود تجد مكانها في العلاقات المجتمعية وليس الدولية ،  لا بد من تغيير في البنية الدستورية والهيئة الحاكمية ؛ اقصاء نفوذ الطوائف لصالح قانون مجرد عنها مخرج حصري وفقا لما نعتقد ، " فكي يتغير ما هو اليه لبنان يجب ان يتغير ما هو عليه لبنان  " .

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية