خيرالله يكتب: الخيار اللبناني الوحيد… بدل الهرب من الواقع!

{title}
أخبار الأردن -

خيرالله خيرالله

على الرغم من أنّه لم يسمّ “حزب الله” بالاسم، كان رئيس الجمهوريّة جوزف عون واضحا في تأكيد أن لا خيار للبنان غير المفاوضات مع إسرائيل وذلك “بعدما جرّبنا الحرب”. لم يأت سلاح الحزب وأي سلاح غير شرعي للبنان سوى بالويلات. ربّما أراد رئيس الجمهوريّة القول أن لبنان بات متروكا لمصيره وعليه تدبّر أموره بيده.

قد يعود ذلك، وهذا ما لم يقله جوزف عون، إلى غياب موقف موحّد لكبار المسؤولين، أي رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس النوّاب ورئيس مجلس الوزراء، من البحث عن مخرج من جهة ورغبة إسرائيليّة في إقامة منطقة عازلة في الجنوب من جهة أخرى. لا يقتصر الخطر الإسرائيلي على إقامة هذه المنطقة العازلة، بل يبدو واضحا أنّ الدولة العبريّة مصرّة على تدمير قرى لبنانية على طول ما يُعتبر الحدود بين البلدين، وهي خطوط لم ترسّم رسميا بعد…

تبدو الحاجة إلى موقف موحّد وشجاع أكثر من أي وقت، لا لشيء سوى لأنّ مصير البلد ومستقبله على كفّ عفريت بعدما أدخله “الحرس الثوري” الإيراني في حرب ذات طابع مدمّر. كف سيواجه لبنان وجود ما يزيد على مليون نازح في المرحلة المقبلة. تقع مسؤولية وجود هذا العدد الكبير من النازحين، وهم في أكثريتهم الساحقة من الشيعة، على إيران و”حزب الله” في الوقت ذاته. هؤلاء النازحون نتيجة مباشرة لقرار الدخول في حرب جديدة مع إسرائيل تسببت بها الصواريخ الستة التي أطلقها “الحرس الثوري” من جنوب لبنان بحجة الانتقام لمقتل “المرشد الأعلى” علي خامنئي.

المؤسف أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة”، التي يتحكّم بها “الحرس الثوري” كلّيا، تعرف تماما ما الذي تريده من لبنان وما هي وجهة استخدامه، خصوصا بعدما وضع “الحرس الثوري” يده على “حزب الله” كلّيا. تبدو “الجمهوريّة الإسلاميّة” مستعدة  للتضحية بكل اللبنانيين، بمن في ذلك الشيعة، من أجل تأكيد امتلاكها أوراقها في المنطقة وقدرتها على تحويل الحرب إلى حرب إقليميّة، بل إلى حرب تؤثر على الاقتصاد العالمي.

باختصار شديد، يسعى النظام في إيران إلى إظهار أنّ استثماره في “حزب الله” وفي العمل الدؤوب على تغيير طبيعة الطائفة الشيعيّة في لبنان، كان استثمارا في محله وأنّ هناك في لبنان من هو مستعد للموت من أجل أن يستأهل مكانته كـ”جندي” في جيش الوليّ الفقيه، كما كان يقول الراحل حسن نصرالله.

تعرف الإدارة الأميركيّة ما المطلوب من لبنان. بالنسبة إلى إدارة دونالد ترامب التي تبدو مصرّة على إخضاع إيران، تتمتّع إسرائيل بحرّية عمل ما تريده في لبنان. في إسرائيل نفسها حصلت محاولة لجعل رون ديرمر، الذي يمتلك عقلا سياسيا، يتولّى الملف اللبناني. لكنّ الملف عاد سريعا إلى وزير الدفاع إسرائيل كاتس الذي لا يؤمن بالدبلوماسية والذي يعتقد أنّ لا حلّ في لبنان غير الحل العسكري الذي يعني الانتهاء من “حزب الله” وسلاحه. تكمن المشكلة في إسرائيل في حاجة بنيامين نتانياهو إلى وجود ديرمر في واشنطن، أو على اتصال مستمر معها، نظرا إلى أنّ الرجل يمتلك علاقة متميّزة مع إدارة ترامب التي تتأرجح مواقفها من حرب إيران بين يوم وآخر.

هناك موقف أميركي وهناك موقف إسرائيلي. لبنان حصة إسرائيل. توجد حلقة مفقودة اسمها الموقف اللبناني. ما الذي يريده لبنان؟ ما هي أولوياته؟ هل لديه خيارات غير خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لمعرفة ما الذي تريده من أجل السماح بعودة النازحين إلى قراهم… أو ما بقي منها.

تشكل أزمة النازحين قنبلة موقوتة ليس أمام لبنان غير التعاطي معها عاجلا أم آجلا.  يستأهل ذلك التغلب على كلّ العقد اللبنانية، بما في ذلك عقدة أن لدى إسرائيل أطماعا في لبنان. لو كان لدى إسرائيل أطماع في لبنان لما كانت امتنعت عن شن حرب على البلد في العام 1967 لمجرد امتناعه عن المشاركة في حرب الأيام الستة التي انتهت باحتلال إسرائيل لسيناء والضفة الغربية، بما في ذلك القدس، وهضبة الجولان. أكثر من ذلك، لو كانت لدى إسرائيل أطماع في لبنان، لما كانت نفّذت في أيار – مايو من العام 2000 ما نصّ عليه القرار 425  الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. في النهاية، نفذت إسرائيل القرار الصادر في 1978  وانسحبت من الأراضي اللبنانية بشهادة مجلس الأمن.

من واجب لبنان تحديد أولوياته والذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بعيدا عن أي نوع من الأوهام. لا يمكن لمثل هذه المفاوضات أن تبدأ ما دام “حزب الله” يمتلك سلاحا بعدما تبيّن أن هذا السلاح لا يصلح سوى لعودة الاحتلال وتكريسه وخلق فتنة داخلية استجابة لرغبة إيران.

في ظلّ الظروف الراهنة التي يعيشها لبنان، لم يعد الوضع على الأرض  يسمح بالتفريق بين السلام والاستسلام. أين العيب في الاستسلام إذا كان هو الطريق الوحيد من أجل الوصول إلى السلام. كلّ ما تبقى تفاصيل وإضاعة للوقت وهرب مستمرّ من الحقيقة والواقع. يأتي ذلك في وقت معروف ما الذي تريده إسرائيل، كما معروف أن لا وجود لموقف أميركي مستقلّ عن الموقف الإسرائيلي.

يختزل الوضع المأساوي للبنان سؤال واحد. يتمثل هذا السؤال في كيفية استعادة الأرض وثمن ذلك. يوجد ثمن لا مجال للتهرب منه أقلّه من أجل تفادي انفجار القنبلة الموقوتة التي اسمها المليون نازح. في ضوء ما فعلته إيران بلبنان، يبدو الاستسلام هو الوطنية والوطنيّة هي الاستسلام.

آن أوان قول لبنان ما الذي يريده بعدما بات معروفا ما الذي تريده إسرائيل وبعدما بات واضحا غياب الموقف الأميركي المستقلّ عن الموقف الإسرائيلي. الاستسلام ليس عيبا. العيب في غياب موقف لبناني موحد يغطي المفاوضات المباشرة التي من دونها لا زوال للاحتلال ولا عودة لمعظم النازحين إلى قراهم…

 


 



 


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية