الرنتاوي يكتب: إيران إذ صمدت...بحثٌ أمريكي عن استراتيجية مخرج

{title}
أخبار الأردن -

 

كتب: عريب الرنتاوي، المستشار الأول، ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسي

مرّ التكتيك الحربي الأمريكي-الإسرائيلي في الحرب على إيران بمراحل ثلاث حتى الآن:

الأولى؛ ويمكن تسميته بتكتيك الانتصار في الحرب دون خوضها، أو ما نشير إليه في تراثنا العربي-الإسلامي بمقولة: "نُصرت بالرعب"، وقد تم اللجوء إلى هذا التكتيك، قبل مفاوضات مسقط– جنيف وأثنائها، وتمثل في الحشد الهائل للقوات والأساطيل، ما دفع إدارة ترامب للتساؤل باستغراب: لماذا لا يستسلم هؤلاء؟، ليأتيه الردّ من عباس عرقجي: لإننا إيرانيون.

والثانية؛ ويمكن تسميته بتكتيك "الصدمة والترويع"، ومن مفرداته "قطع رأس النظام" وتصفية المستوى الأول من القيادة السياسية والعسكرية والأمنية، وتدمير قدراته على القيادة والتحكم والسيطرة، واستهداف أصوله الاستراتيجية، وفي غضون ساعات لا تتخطى الأربع والعشرين، توطئة لتمكين حركات تمرد من داخل النظام وخارجه، للانقضاض عليه، وبهذا تطوى صفحة الجمهورية الإسلامية ونظامها، واستتباعاً لما بات يعرف في أدبيات هؤلاء بـ"أذرعها" في المنطقة...لكن شيئاً من أهداف هذه التكتيك، لم يتحقق، فلجأت واشنطن، ومن خلفها، تل أبيب، للبحث عن بدائل.

الثالثة؛ ويمكن وصفها بـ"سيناريو الفوضى والتفتيت والحروب المتناسلة"، وتجسدت في محاولة تحشيد وتأليب حركات تمرد انفصالية، تتبع الأعراق والأقوام التي تأتلف منها الجمهورية الإسلامية، بدءاً بحركة الكرد الإيرانيين، على أمل أن تحفز نجاحات هؤلاء في بناء "رؤوس جسور" في الداخل الإيراني، حركات انفصالية أخرى، عرباً وبلوش وأذريين وغيرهم، إلى جانب معارضات خارجية، بعضها حمل السلاح لسنوات وعقود...هذا التكتيك تعذّر في مهده، أولاً، لأن في إقليم كردستان من أعاد النظر في حساباته في ضوء دروس "التخلي والخذلان" المتراكمة، وخشية الانخراط في مغامرة قد تودي بالإقليم الكردي في العراق بدل أن تُنشئ إقليماً مماثلاً في إيران، فضلاً عن المخاوف والتحذيرات الإقليمية والدولية من مغبة الانزلاق لسيناريو الفوضى والتقسيم الذي إن وقع، ستطاول شظاياه القارة الأوروبية ومختلف دول المنطقة على اتساعها.

تعاقُب هذه المراحل، ناجم بالأساس عن فشلها، الواحدة تلو الأخرى، لم يذعن المفاوض الإيراني لإملاءات ويتكوف-كوشنير، ولم ترفع إيران راية بيضاء إرضاء لغرور وغطرسة الثور الهائج في البيت الأبيض، فانتقلت "الحلفتان الاستراتيجيتان" إلى التكتيك الثاني، "الصدمة والترويع"، وعندما نجحت إيران في امتصاص الضربة الأولى، وتماسك نظامها، وبدأت عمليات الرد على نطاق واسع، بعد ساعة واحدة فقط من "قطع رأس النظام"، والإطاحة بعشرات القادة العسكريين والسياسيين، سعت واشنطن وتل أبيب إلى لاستخدام "طلقة أخرى وليست أخيرة في جعبتيهما"، الورقة الكردية، التي بدا مبكراً أنها أعجز عن تحقيق مرامي المشروع الأمريكي-الإسرائيلي الأكبر والأبعد، وأنها لا تلبي حاجة الرئيس "النزق" لنصر مؤزّر وسريع في حربٍ خاطفة.

في البحث عن استراتيجية مخرج

تقترب الحرب من إتمام أسبوعها الثاني، وهي مرشحة للاستمرار لعدة أسابيع قادمة، ما لم يبلغ الضجر والنزق بالرئيس المتقلب مبلغه، ويقدم على إنهاء هذه الحرب بصورة مفاجئة، وعلى نحو لا ينتظره أحد، والحرب تتحول إلى مشروع إبادة وتدمير للمقدرات الإيرانية، لا العسكرية والاستراتيجية منها فحسب، بل وللمقدرات والأعيان المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وتحت ضغط اتساع نطاق الحرب وارتفاع كلفها المباشرة، وإرهاصات أزمة طاقة عالمية، تتحرك خلف الأبواب المغلقة، وساطات ومبادرات، أحدثها المبادرة الروسية، وقبلها مبادرة سعودية، فيما أوروبا ليست بعيدة عن هذه الأجواء، سيما بعد أن عبّر قادتها عن خشية لا تتوقف عند حدود ارتفاع أسعار الطاقة وشبح ركود وانكماش اقتصاديين، بل ومخاوف من موجات هجرة ونزوح واسعة النطاق باتجاه القارة العجوز، ولعل المستشار الألماني كان الأوضح في التعبير عن مخاوف أوروبا، على الرغم من كونه صاحب الموقف الأوقح في الانحياز لواشنطن وتل أبيب.

بخلاف نتنياهو، يراوح ترامب متردداً بين خيارين: المضي في هذه الحرب، معانداً رأياً عاماً أمريكياً، لا يريدها، بل ويراها فائضة عن الحاجة منذ يومها الأول، أو الذهاب إلى "مخرج من صنعه"، كأن يعلن الانتصار من جانب واحد، ويقرر عدم جدوى المضي في الحرب طالما أنه لم يبق شيء في إيران ليُضرب...نتنياهو المدعوم برأي عام شعبي وحزبي، مؤيد للحرب ويدعو للاستمرار فيها حتى خواتيمها، يريد لهذه الحرب أن تستمر، ويريدها أن تنتهي بإسقاط النظام، أو جعل سقوطه مهمة أولى مدرجة على جدول أعمال المعارضات والشارع الإيراني.

ترامب كاد في "خطاب فلوريدا" الأخير، أن يصل إلى الخيار الثاني، قال إن الحرب تقترب من تحقيق أهدافها، ومن نهايتها، واستعرض لائحة افتراضية من المكاسب والمنجزات، من دون حاجة لشواهد أو إثباتات على صحتها، بقيت في "حلقه غصّة واحدة": المرشد الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، الوحيد الذي سبق له أن ذكره بالاسم، من بين قائمة "المرفوضين" لخلافة المرشد الراحل، والذي عبّر عن "عدم سعادته" باختياره مرشداً ثالثاً، وهو الذي سبق له أن تعهد باستهداف كل من لا يرغب بهم لحكم إيران.

هنا، تبرز "نقطة تطابق" بين نتنياهو وتل أبيب: استهداف المرشد الجديد، ومعه مروحة أوسع من القادة المحيطين به، ليقال بأن مصير إيران لا يقرره الإيرانيون وحدهم، بل يتقرر أساساً في البيت الأبيض و"الكرياه"...ومن هنا، ليس مستبعداً أن تكون نقطة التركيز في العمليات الحربية القادمة، على ضرب القيادة الجديدة في إيران، استهدافاً لفكرة الاستمرارية والتحدي، التي استبطنها انتخاب مجتبى خامنئي خلفاً لوالده الراحل.

ولكي لا تجد واشنطن حرجاً في إنهاء الحرب، حال فشلت محاولات استهداف القيادة الجديدة، يجري تسريب معلومات مفادها أن إدارة ترامب، تدرس ما يصدر عن القيادة الجديدة من رسائل ومؤشرات، وستبني موقفها بناء على ذلك، أما تل أبيب، فليس لديها سوى سيناريو "استهداف السنوار بعد هنية"، للتعامل مع انتقال القيادة في إيران، حتى وإن قاد ذلك إلى إطالة أمد الحرب، وهو أمر مرغوب إسرائيلياً، طالما أن طيرانها الحربي يمضي في توسيع بنك الأهداف الإيرانية، وطالما أن الكلف التي تتحملها في المقابل، ما زالت في دائرة الاحتمال، حتى الآن على أقل تقدير.

إسرائيل أكثر من واشنطن، تعوّل على احتمال انزلاق دول عربية متضررة من الضربات الإيرانية إلى أتون المواجهة، والعودة لاستئناف صفحات التباعد عن إيران، بعد مؤشرات قوية على التقارب بين ضفتي الخليج، أعقبت إعلان بكين...واشنطن في المقابل، تتلقى طوفاناً من الدعوات العربية والإقليمية والدولية، للمسارعة إلى وقف هذه الحرب، واحتواء تداعياتها التي تزداد خطورة مع مرور الأيام، وهي وإن كانت ترغب في إزاحة المزيد من القيادات الإيرانية عن المسرح، إلا أنها تخضع لمؤثرات وتأثيرات، لا تقيم تل أبيب لها وزناً.

ومن حسن الحظ، فإن دول الإقليم، العربية وغير العربية، وبرغم حالة الغضب التي تجتاحها جراء الضربات الإيرانية، إلا أن أكثرها وزناً واتزاناً، ما زالت ترفض الانزلاق إلى حرب ليست حربها وإلى مواجهة ستخرج منها "الخاسر الأكبر" في ظل شكوك عميقة حول صدقية وجدية الالتزام الأمريكي بأمنها وحمايتها، وفي ظل مخاوف من نهم وتوحش يغيطان سماء السياسة الإسرائيلية.

كيف ستنتهي هذه الحرب؟

أما وقد تأكد لواشنطن وتل أبيب، أن مفردة "الاستسلام" ليست موجودة في القاموس الإيراني، وأن نظام الجمهورية الإسلامية، ليس لقمة صائغة، يستطيع ترامب لوكها وبلعها متى شاء، فإن السؤال حول كيفية انتهاء هذه الحرب، يبدو مشروعاً تماماً، وملحاً للغاية...وسط تقديرات بأنها ستنتهي وفقاً لواحد من السيناريوهات التالية:

أولها؛ أن يقرر ترامب، أن حربه على إيران قد حققت أعراضها، ويعلن الانتصار "من جانب واحد"، كما أعلن الحرب من "جانب واحد"...في حالة كهذه، تستطيع طهران أن تعلن انتصارها كذلك، فالحرب لم تسقط النظام، وإيران لم ترضخ للإملاءات الأمريكية، وهي ردّت الصاع بمثله في استهدافها للأصول الأمريكية والعمق الإسرائيلي، وسيظل النزاع قائما ومفتوحاً على جولات قادمة وبأشكال وأدوات مختلفة.

ثانيها؛ أن تستجيب الأطراف لجهود الوساطة التي تقوم بها أطراف عربية وإقليمية ودولية عدة، وأن تعود إلى مائدة التفاوض من جديد، على أمل الوصول إلى اتفاق يصعب التكهن من الآن، بفحواه وماهيته، سيما بوجود قيادة إيرانية جديدة، من المستبعد أن تقبل بما رفضته القيادة السابقة

ثالثاً؛ أن يُصار إلى عقد مؤتمر دولي للسلام في المنطقة، يراه البعض فرصة للحل كثيرٍ من الأزمات المتفرعة عن ملف الصراع بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل...هنا يحضر لبنان واليمن، وربما غزة وفلسطين، لكن في ظني أن فرص حدوث أمر كهذا، ليست مرتفعة، وواشنطن في الأساس، لا تؤمن بالدبلوماسية متعددة الأطراف، وميلها للهيمنة والانفراد والتفرد بالملفات والأزمات الدولية، لا تخطئه عين.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية