وليد عبد الحي يكتب: فخ ثوسيديدس(Thucydides) في الشرق الاوسط بين امريكا وايران
وليد عبد الحي
وصف المؤرخ اليوناني "ثوسيديدس" الهواجس التي انتابت اسبارطة تجاه تنامي قوة أثينا في الفترة 431-404 قبل الميلاد ب"الفخ"، ويتماثل فخ ثوسيديدس مع جوهر نموذج ريتشاردسون لسباق التسلح الذي ما أن يبدأ السباق حتى تزداد معه احتمالات الحرب.
في منطقتنا العربية بشكل خاص وبعد انهيار المكانة المصرية وافتقاد بقية الدول العربية الأخرى لمؤهلات "الدولة المركز" للإقليم ، تركز التنافس بين اسرائيل وايران وتركيا، ووضعت كل منها استراتيجية تقوم في جوهرها على ان تكون هي "الدول المركز"، واصبحت هذه الدول الثلاث ترى في أي تنامي للقوة في اي من الطرفين الآخرين تهديدا لاجتمالات فورها بالموقع –أي الدولة المركز-، وهو ما يتطابق مع فخ ثوسيديدس.
فاذا اقتصرنا المناقشة على الطرفين –اسرائيل وايران- فان كلا منهما ينظر للآخر في المحصلة الاستراتيجية بمنظور اللعبة الصفرية، ولعل البرنامج النووي الايراني هو الأكثر تكريسا لإحياء فخ ثوسيديدس، فوضعت اسرائيل استراتيجية واضحة بدأ نسج خيوطها منذ كتاب الاكاديمي والسياسي الاسرائيلي البروفيسور يحزقئيل درور الصادر عام 1980 وعنوانه " الدول المجنونة"(Crazy States)، ولمنع قيام الدولة المجنونة لا بد من ضبطها وبخاصة في مجال البعد النووي، ولعل الغارة الاسرائيلية في يونيو 1981 على المفاعل النووي العراقي "تموز" ليس الا تطبيقا لنظرية الدولة المجنونة.
وظهرت ايران بعد الثورة بقليل بطرح مشروع برنامج نووي "سلمي"، وهو ما ايقظ هاجس الدولة المجنونة في اسرائيل، وبدأت بتعطيل المشروع الايراني بحملات اغتيال للعلماء(بداية من 2010)، وتوقعت قبلها ان ينهار النظام بفعل تداعيات الحرب العراقية الايرانية، وسعت لخلق الفوضى لتغيير النظام، لكن كل ذلك اشعر اسرائيل ان الهدف اكبر من الطاقة الاسرائيلية، فلا بد من "توريط "الولايات المتحدة بأي شكل من الاشكال لتحقيق الهدف، ويبدو ان الولايات المتحدة بل وبعض الدول الاوروبية اقتنعت "بفخ ثوسيديدس"، وتاكدت هذه القناعة عندما الغى ترامب الاتفاق النووي (5+1) عام 2018 خلال رئاسته الاولى، وهو ما يعني البحث في استراتيجية جديدة لما بعد الالغاء وهو ما اتضحت ملامحه في حرب ال 12 يوما في يونيو 2025. ومع ان ترامب استخدم تعبير " Obliterated " (أي القضاء المبرم) لوصف نتائج ضرب مراكز البرنامج النووي الايراني ، لكن الوقائع بعد ذلك وصور الاقمار الصناعية وتسريبات الجهات ذات العلاقة أكدت ان ترامب " كان مبالغا " في توصيفه ، وشعرت اسرائيل ان الضربات الايرانية لمرافق استراتيجية في اسرائيل كانت فاعلة واقوى مما توقعت ،ومن هنا زاد الاقتناع الاسرائيلي بضرورة توريط الولايات المتحدة واستغلال وجود رئيس امريكي" مسكون بنرجسية مرضية" لاستكمال ضبط "الدولة المجنونة".
وهنا يبدو ان الوضع اصبح اكثر تعقيدا ، وهو ما يتضح في مواقف اطراف الازمة:
أولا الولايات المتحدة: ويتحكم في القرار مجموعة من المتغيرات:
أ- تتمثل القوى المركزية المساندة للشروع في مواجهة ايران في كل من الرئيس ووزير دفاعه هيغسيث(المسكون طبقا لكتابه ( (American Crusadeبنموذج الحروب الصليبية ومعهم وزير الخارجية روبيو ، يساند هؤلاء كل من اللوبي اليهودي وقطاع هام من الحزب الجمهوري ونوابه في الكونجرس اضافة للمجمع العسكري الصناعي.(طبعا هناك قوى عديدة اخرى ولكن هذه هي الاكثر اهمية)
ب- ولكن هناك قوى مترددة وتعارض الحرب تتمثل في:
1- الحزب الديمقراطي في معظمه معارض للحرب في هذا الموضوع ومعه قطاع قليل لكنه يتزايد من الجمهوريين
2- القطاعات الصناعية المدنية التي تضررت من سياسات الحمائية التي يتبناها ترامب وانعكست عليهم بشكل سلبي.
3- تيار متنامي من النخب الامريكية التي ترى ان اسرائيل اصبحت عبئا اكثر منها ذخرا استراتيجيا.
4- ان استطلاعات الرأي الامريكية تشير الى أن 70% من المجتمع لا يؤيد الذهاب الى الحرب مع ايران.
5- تبدو تقارير العسكريين الامريكيين اقل حماسا من التشنج الحزبي بخاصة بين اللوبي اليهودي ، والجمهوريين.
6- هناك تيار بخاصة بين العسكريين وبعض الدبلوماسيين ممن يرى ان الضربة ضرورية ولكن ان تكون محدودة ، بخاصة ان الحشد العسكري الامريكي لا زال دون قوات برية كافية للتعاطي مع وضع صعب ومعقد في ايران.
7- من يقرا كتاب جون بولتون (مستشار الامن القومي السابق لترامب) وعنوانه (The Room Where it Happened:A white House Memoir) يقرا الاوصاف التالية الواردة في صفحات الكتاب ال 445(خلافا ل79 صفحة من الصور وال Index ) يقول بولتون حرفيا:" لا اهمية عند ترامب لهيئات صنع القرار بل الاهمية للعلاقات الشخصية، ان الولاء الشخصي للرئيس هو اهم شيء...ترامب سخيف ومعتوه"...فكيف يمكن التوقع مع رئيس كهذا؟ انه الرئيس ال ""Unpredictable
ثانيا: اسرائيل:
1- ثمة اتفاق واسع بين اليمين العلماني والديني واليسار الصهيوني على اهمية الحرب الامريكية مع ايران.
2- ان الهجوم على ايران يوفر لنيتنياهو بيئة داخلية لتعزيز موقعه من ناحية وزيادة التضييق على محور المقاومة من ناحية ثانية ،واجبار ايران على الانكفاء الاستراتيجي بخاصة اذا تم تغيير النظام او اضعافه بشكل كبير.
3- لكن المجتمع الاسرائيلي ورغم تأييده للهجوم يبدي قلقا من امرين هما تكرار مشهد حرب ال 12 يوم في العام الماضي ، والخوف من أن تكون ايران تمتلك " مفاجأة" استراتيجية تربك الحسابات الاسرائيلية.
4- هناك طرف اسرائيلي يبدي قلقا من ان تطول الحرب لفترة مرهقة، وتتكرر تداعيات طوفان الاقصى.
5- رغم ان روسيا والصين لا تؤيدا ايران نووية، لكن خسارتهما لايران وتغيير النظام فيها يمثل خسارة كبيرة ،وهو ما يعتقد بعض الخبراء الاسرائيليين بان الدولتين لن تسمحا بتغيير النظام.بل هناك من يرى ان روسيا سيتعزز موقفها في اوكرانيا بسبب الانشغال الامريكي ،كما ان ذلك يعزز الموقف الصيني تجاه تايوان.
ثالثا: ايران: يبدو ان ايران مستعدة لتقديم بعض التنازلات في ميادين غير التي "يُصر" عليها الطرف الامريكي، فامريكا تصر على الغاء البرنامج النووي، والغاء برنامج الصواريخ بخاصة الاستراتيجية مثل التخصيب تحديدا، ورغم ان هذه المطالب من المفترض ان ترامب قضى عليها خلال حرب يونيو 2025 وبحسب تعبيره المحدد " Obliterated "، لكن ايران لن تتنازل لهذه المطالب الامريكية، وقد تبدي مرونة في دعم محورها، او توسيع نطاق التعاون لمراقبي وكالة الطاقة النووية ، ولكن ذلك سيكون بثمن تطلبه ايران مثل تعويض ايران عن خسائر الحصار او دفع الاموال التي صادرتها امريكا او رفع تام وفوري للحصار الاقتصادي ، وهي مطالب لا تقل خطورة من منظور اسرائيل .
ويبدو ان الرهان الامريكي الاسرائيلي وبعض العربي على المعارضة الايرانية بدأ يتوارى تدريجيا لكنه لم يختف، كما ان القوى الايرانية الخشنة (المؤسسة العسكرية وحرس الثورة والباسييج) الى جانب المرجعيات الدينية والحوزات والاحزاب الرسمية والتي استعرضت وجودها في المظاهرات الضخمة المؤيدة للنظام..كلها قوى ما زالت تساند النظام ،بخاصة ان القوى السياسية الايرانية تستشعر ان المعارضة المستندة للهويات الفرعية تسعى لتمزيق الوحدة الجغرافية للدولة.
رابعا: البيئة الاقليميية: من الواضح ان الدول العربية بخاصة آسيا العربية لا تؤيد نشوب الحرب خوفا من ان تكون مسرحيا لعمليات عسكرية كبرى تؤدي لاضطراب سياسي واجتماعي وعسكري بل وبيئي، ناهيك عن قلق مصري على مواردها من قناة السويس إذا تعثرت التجارة الدولية البحرية.
خامسا: اوروبا: يبدو ان الاوروبيين يدركون ان الحرب ستنتهي بخسائر لهم:
أ- ارتفاع جنوني في اسعار النفط ، فحتى الآن اوروبا خسرت ما يقارب 285 مليار دولار بسبب اوكرانيا والتوتر في الشرق الاوسط
ب- احتمال تكرار موجات الهجرة لها
ت- اغلاق الممرات التجارية بين اوروبا وآسيا بكل ما لذلك من تداعيات
الخلاصة: ان كل متغير مما سبق له وزنه الخاص والنسبي ، وبعض هذه المتغيرات هام جدا، وبعضها هام ،وآخر متوسط وبعضها مساعد..وبعضها اقل اهمية، لكن تفاعلها مع بعضها هو الذي يحدد المتغير المحرك(او ما تسميه الدراسات المستقبلية Driver)، وهو امر بحاجة لحساب دقيق ورزانة في التحليل ، اما التحليل الحدسي (حرب،لا حرب ، حرب محدودة) فلا يفيد حتى لو اصاب، والتحليل استنادا لعدد محدود من المتغيرات لا يؤسس لرؤيا استراتيجية، وهو ما يعني ان التنبؤ بنتائج فخ ثوسيديدس ينطوي على تعقيدات منها كثرة المتغيرات والغرابة في شخصية ترامب ...ربما.







