الشوبكي يكتب : إصلاح الضمان يبدأ باستعادة الثقة

{title}
أخبار الأردن -

 

عامر الشوبكي - باحث اقتصادي متخصص في شؤون الطاقة

الضمان الاجتماعي ليس جدولاً حسابياً يُعاد ضبطه كلما اختلّت المعادلة. هو عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن، ومدخرات عمر لا تحتمل التجريب أو المعالجات المؤقتة. التعديلات المطروحة اليوم تنطلق من منطق اكتواري رقمي يركّز على ضبط العجز المستقبلي، لكنها تتجاهل العامل الأخطر: ثقة المشتركين. وأي نظام تقاعدي يفقد الثقة يبدأ بالتآكل من الداخل مهما كانت أرقامه منضبطة على الورق.

المشكلة لا تتعلق فقط برفع سنّ التقاعد أو بالتطبيق المتدرّج بعد عام 2030، بل بالرسالة التي تصل إلى المشترك اليوم. عندما يشعر الآلاف بأن أفق الاستفادة يتقلّص أو يتغيّر، فإن القرار الاقتصادي الطبيعي سيكون وقف الاشتراك أو سحب الحقوق. وأي موجة انسحاب جماعي – حتى وإن كانت محدودة – ستضغط مباشرة على إيرادات الصندوق، وتُسرّع اختلالاته بدلاً من معالجتها. وأخطر ما يواجه صناديق التقاعد هو اهتزاز الثقة، وليس العجز المالي.

لكن الخلل أعمق من تعديل تشريعي. جزء من استثمارات الصندوق لا يحقق العائد المأمول، نتيجة قصور رقابي، وضعف في دراسات الجدوى، ومحدودية المعايير الصارمة في اختيار المشاريع وتقييمها. كما أن آليات اتخاذ القرار تحتاج إلى تعزيز المؤسسية الفعلية والشفافية الكاملة، بحيث تخضع الاستثمارات لمعايير احترافية دقيقة تحكمها الكفاءة والمصلحة العامة فقط. قإصلاح الضمان يبدأ بإصلاح الحوكمة.

وفوق ذلك، فإن أكثر من نصف موجودات الصندوق مستثمرة في أدوات دين تقليدية منخفضة العائد، وفي مقدمتها السندات والدين الحكومي، بعوائد تقتصر عملياً على الفائدة المالية دون تعظيم حقيقي للقيمة على المدى الطويل. أي صندوق تقاعد مستدام يعتمد على العائد المركب طويل الأجل، لا على تدوير الأموال في أدوات محدودة النمو. استمرار هذا النمط يعني تقييد قدرة الصندوق على تحقيق نمو حقيقي يعزز استدامته.

الإصلاح الحقيقي يبدأ بثلاثة مسارات متوازية: استعادة الثقة، وتعزيز الحوكمة والرقابة، وتعظيم العائد الاستثماري بكفاءة واحتراف.
والاكتفاء برفع سن التقاعد أو بتقييد التقاعد المبكر، او بإعادة ضبط الأرقام دون معالجة جذور الخلل، فسيؤجل الأزمة ويخدّر الأعراض… لكنه لن يمنع الخطر ولن يعالج المرض.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية