الاقتصاد الليبي: تحديات السوق السوداء للدينار والضغط على السياسات النقدية
تصاعدت شكاوى الليبيين من المضاربات على الدينار الليبي والعملات الأجنبية في السوق السوداء خلال الأسبوع الماضي. وهو ما دفع مصرف ليبيا المركزي إلى أن يطالب وزارة الداخلية في غرب البلاد باتخاذ إجراءات قانونية حازمة، بعدما أقر بخطورة هذا الوضع.
وأجمع خبراء اقتصاديون ومصرفيون على أن هذا الإجراء "شكلي ومؤقت". ولا يعالج جذور مشكلة الضغوط المتزايدة على العملة المحلية، في ظل موجة مضاربات تعبر عن اختلالات هيكلية في النظام النقدي الليبي. أدت إلى تراجع الدينار أمام الدولار في السوق السوداء بنسبة 5.5 في المائة على مدى أسبوع.
وقفز سعر صرف الدولار من 9.08 دينار مطلع الأسبوع الماضي إلى 9.58 دينار في نهايته. في حين بقي السعر الرسمي عند 6.30 دينار فقط. عزز هذا الارتفاع من انتقادات النخب الاقتصادية إلى سياسات محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى. الذي سارع بدوره لتوجيه وزارة الداخلية باتخاذ إجراءات حازمة لإيقاف نشاط السوق السوداء، والتحذير من عمليات تحويل الأموال داخل البلاد وخارجها بمنأى عن الأطر الرقابية.
الإجراءات الأمنية وتأثيرها على السوق السوداء
وطالب عيسى السلطات الأمنية بمعاقبة المتعاملين بالعملات الأجنبية خارج الإطار الرسمي، ومتابعة حركة نقل الأموال بالدينار. وحصر التداول خارج المصارف على مكاتب الصرافة المرخصة. وإقفال الجهات غير المرخصة. ومع ذلك لم يحظ طلب محافظ المصرف المركزي بـ"حل أمني" في مواجهة المضاربات بارتياح اقتصاديين.
وأوضح غيث أن التعامل يجري عبر "غرف مظلمة بـ(واتساب)". لا مع حالات يمكن ضبطها ميدانياً. مبرزاً أن السوق السوداء تُدار – بحسب تعبيره – من أطراف خارج ليبيا. وعادّاً أن ما يظهر في سوق المشير بطرابلس "ليس سوى جزء من الصورة".
في الاتجاه نفسه، عدّ أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية الليبية، الدكتور عمر زرموح، أن الحلول الأمنية "قد تحد من المشكلة على نحو مؤقت". لكنها "لن تنجح في تقديم حل حاسم". وهي وجهة نظر الخبير المصرفي نعمان البوري نفسها.
الآراء الاقتصادية حول الحلول المقترحة
ويعتقد زرموح أن خطوة محافظ مصرف ليبيا المركزي "قد تُتخذ كأداة لإلقاء إخفاقات إدارة النقد الأجنبي بالمصرف المركزي على جهات أخرى". عادّاً أن القوانين الاقتصادية "أقوى من الحلول الأمنية". وذهب إلى القول إن غياب الاقتصاديين الفاعلين عن مجلس الإدارة "حجب الرؤية وخلق ضبابية في القرار".
وينظر اقتصاديون إلى أزمة السوق السوداء في ليبيا وموجات المضاربات على أنها أحد أعراض الانقسام السياسي والأمني، الذي تعيشه البلاد منذ عام 2014. وما رافقه من انقسام مصرفي بين إدارتين في طرابلس والبيضاء. قبل أن يتم توحيد المصرف منذ خمس سنوات.
وعلى مدى هذه السنوات، نشطت أسواق غير رسمية للعملات في مختلف المدن الليبية. أبرزها سوق المشير في طرابلس. إضافة إلى مصراتة وزليتن وبنغازي، مع نشاط ملحوظ في سبها ومدن الجنوب. حيث شكلت هذه التجمعات مراكز تداول غير رسمي، تتأثر بالسيولة والطلب على الدولار والمضاربات.
تحديات السوق السوداء وإجراءات المصرف المركزي
وأشار غيث إلى أن البلاد قبل 2014، وخلال فترة توليه عمله بالمصرف، لم تشهد أزمة مشابهة للسوق السوداء. مؤكداً أن موجات المضاربة تفاقمت بعد الانقسام السياسي. وانتقد ما وصفه بـ"العلاج بأدوات خاطئة" على مر السنوات، مثل ضخ الدولار في السوق لما لذلك من أثر في تعميق الاختلالات.
وفي محاولة للحد من نشاط السوق السوداء، شرع مصرف ليبيا المركزي منذ نوفمبر 2024 في تقنين أوضاع شركات ومكاتب الصرافة. ليصل عدد المرخص منها حتى ديسمبر من العام الماضي إلى 278 شركة ومكتباً. تغطي مختلف مناطق البلاد. وانطلق العمل الشهر الماضي بضوابط تشغيلية جديدة، تسمح لهذه الشركات ببيع النقد الأجنبي للمواطنين والأجانب وفق سقوف محددة تصل إلى 8 آلاف دولار.
ويؤيد زرموح تنظيم قطاع شركات الصرافة. داعياً المصرف إلى "تسريع منح الموافقات ومنح فترة انتقالية كافية للتكيف مع منظومة بيع النقد الأجنبي، قبل تشديد الرقابة". مبرزاً أن "بعض الشركات لا تزال طلباتها مستوفية للشروط قيد الانتظار".
الآراء المختلفة حول التقنين والإجراءات الأمنية
غير أن الخبير الاقتصادي، الدكتور يوسف يخلف مسعود، يعارض هذا التقنين والإجراءات الأمنية المصاحبة. ويرى أن "منح دور أوسع لشركات الصرافة، في ظل رقابة هشة وسياسات نقدية مشوهة، عمّق الأزمة". مشيراً إلى أن ذلك "خلق بيئة احتكارية وزاد من المضاربات".
وسط أزمة طال أمدها في سوق الصرف الليبية، اقترح خبراء ومصرفيون مجموعة من الحلول لمواجهة المضاربات والسوق السوداء. شملت الإصلاحات النقدية والمالية، وتعزيز الرقابة، وإصلاح المؤسسات واستبعاد غير المتخصصين من صناعة القرار الاقتصادي.
ويرى الخبير المصرفي، نعمان البوري، أن "ضبط سوق الصرف يتطلب إعادة هيكلة سياسات بيع النقد الأجنبي، وربطها بالاستخدامات الفعلية". مبرزاً ضرورة "تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر التوازن، عبر أدوات نقدية ومالية منسقة".
الاستنتاجات حول الحلول المستقبلية
أما مراجع غيث فيرى أن المخرج يكمن في "حصر الاستيراد والمعاملات المالية عبر القنوات المصرفية الرسمية، بما يعزز الشفافية. ويحد من التدفقات غير النظامية للنقد الأجنبي". بينما ذهب يوسف يخلف مسعود إلى "ضرورة إعادة هيكلة المصرف المركزي، واستبعاد المسؤولين غير المتخصصين". عادّاً أن "ضعف الخبرة جعل بعض القائمين على السياسات جزءاً من المشكلة".







