فلسطينيون يسعون لإنقاذ تاريخ غزة بعد الحرب الإسرائيلية
يتذكر منير الباز فرحته بزيارة مسجد العمري الكبير في غزة مع أسرته ليصلي في المكان الذي تعبد فيه الناس على مر القرون مع تعاقب الإمبراطوريات.
قال الباز: "هذه كانت أفضل الأيام"، حيث تذكر كيف كان يتجول في الأسواق النابضة بالحياة حول المسجد قبل الحرب الإسرائيلية على غزة. واليوم، أصبح معظم المسجد أطلالاً - مثل معظم مدينة غزة - عقب أن تعرض لهجمات إسرائيلية في الحرب التي استمرت عامين. وخفّت حدتها بسبب وقف إطلاق نار غير مستقر. وأوضح الباز، وهو مستشار في شؤون التراث الفلسطيني، أنه يتشارك في أعمال الترميم بالموقع، مشيراً إلى أن مشهد الأنقاض يذكّره بـ"الشجرة التي تم اجتثاثها من جذورها".
أدت الحرب الإسرائيلية إلى مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. كما مسحت بالكامل من الوجود أسر ممتدة، وقضى الهجوم أيضاً على بعض من التراث الذي يحمل تاريخاً غنياً يعود للعصور القديمة. وكان قد تم بناء المسجد على موقع كنيسة بيزنطية، وتعاقب عليه الحكام والديانات مع تعاقب الغزاة.
محاولات لإنقاذ التراث الفلسطيني في غزة
مع توقف العمليات العسكرية الكبرى، تتضح صورة الدمار للفلسطينيين. وتحاول منظمات إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الأماكن التاريخية، حتى في الوقت الذي تواجه فيه عمليات الترميم الشامل - وعملية إعادة الإعمار الأوسع نطاقاً للمنطقة - عقبات ضخمة.
قالت وكالة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) في تقييم مستمر بناء على صور الأقمار الاصطناعية إنها تتحقق بشأن وقوع أضرار فيما لا يقل عن 150 موقعاً منذ بداية الحرب. وتشمل هذه المواقع 14 موقعاً دينياً و115 مبنى له أهمية تاريخية أو فنية و9 آثار و8 مواقع أثرية.
أضاف عصام جحا، المدير المشارك في مركز الحفاظ على التراث الثقافي ومقره الضفة الغربية، لوكالة "أسوشييتد برس": "هذه المواقع تعدّ عنصراً مهماً يرسخ وجود الشعب الفلسطيني على هذه الأرض ويمثل استمراراً لهويته الثقافية". وأوضح جحا أن المركز يقوم بعمل إنقاذ طارئ في قصر باشا المتضرر بشدة، الذي يضم أعمالاً فنية تعود لقرون مضت.
الدمار الذي خلفته الحرب وتأثيره على الهوية الثقافية
قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف "مجمعاً عسكرياً لـ(حماس) ومنظومة صواريخ مضادة للدبابات" في الموقع. وأوضح أن قواته ضربت "نفقاً إرهابياً" عند مسجد العمري. ولم يقدم دليلاً على أقواله بشأن أي من الواقعتين. ونفى أمير أبو العمرين، المسؤول بوزارة الأوقاف في غزة، الادعاءات المتعلقة بالمسجد.
قالت لجنة مستقلة تابعة لمجلس حقوق الإنسان الدولي إنها ليست على علم بوجود أي دليل على وجود نفق في المسجد. وفيما يتعلق بالادعاءات الإسرائيلية بشأن المسجد، قالت اللجنة إنه حتى وجود "هدف عسكري مشروع... لا يبرر إحداث الضرر". وكانت إسرائيل قد اتهمت سابقاً اللجنة بالتحيز.
تعرضت كنيسة القديس بورفيريوس الأرثوذكسية، التي تعود لقرون مضت، والتي كانت تؤوي فلسطينيين نازحين، لهجوم إسرائيلي في بداية الحرب مما تسبب في وقوع وفيات وإصابات. وأكد الجيش الإسرائيلي أنه استهدف مركزاً قريباً تابعاً لقيادة "حماس".
مستقبل المواقع التاريخية وسط الدمار
يبدو أن بعض المواقع التراثية في غزة نجت من الهجمات. وقالت "اليونيسكو" إنها لم تتوصل إلى دليل على حدوث ضرر لدير القديس هيلاريون، الذي يعود إلى القرن الرابع. ووفقاً للقانون الدولي، فإنه لا يجب استخدام أو استهداف المنشآت الثقافية لأغراض عسكرية.
قال الجيش الإسرائيلي إنه يضع في الحسبان حساسية المواقع الثقافية والدينية، ويسعى لتقليص الضرر الذي تتعرض له البنية التحتية المدنية ويلتزم بالقانون الدولي. ومع ذلك، كان كثير من المواقع التاريخية يعاني من الإهمال قبل الحرب، حيث مثل الحصار والحرب السابقة، بالإضافة إلى الافتقار للموارد والتوسع العمراني، تحديات خطيرة.
قال الباز إنه قبل وقف إطلاق النار، كان الحزن ترفاً لا يمكن تحمله، حيث كانت أسرته تحاول فقط النجاة. وأوضح: "ما الذي ستبدأ البكاء عليه؟ المساجد التاريخية أم منزلك أم تاريخك أم مدارس أطفالك أم الشوارع؟". والآن، بينما يستوعب حجم الدمار الناجم عن الحرب، يبكي في بعض الأحيان بعيداً عن أعين أطفاله، مشيراً إلى أن "غزة هي أمنا".







