ملكاوي يكتب: "مصائد الموت" ورجاء جزار.. والمشككون

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


الخلاف الذي أثاره حديث خبيرة السياحة رجاء جزار عن “مصائد الموت”، ليس سوى عرض جانبي لمعضلة أعمق تتمثل في الكيفية التي نتعامل فيها مع المعرفة حين تأتي من خارج أسوار الاختصاص الأكاديمي الصلب، أو حين تقدم بلغة عامة لا تتخفى وراء المصطلحات الثقيلة، وكيف يتحول الجدل في الفضاء الرقمي، من نقاش معرفي مشروع إلى محاكمة شعبية يتم فيها استدعاء الشك بوصفه فضيلة، والإنكار بوصفه ذكاء.
 

لكن الاكتشاف ذاته، بما هو أثر وحقيقة علمية، أبعد وأعمق من سجالات التعليقات، فـ”الطائرات الورقية الصحراوية”، أو ما تم تسميتها إعلاميا بـ”مصائد الموت”، ليست استعارة شعرية ولا ادعاء فضفاضا، فهي منظومات حجرية واسعة الانتشار في بادية الأردن وجواره، وهي شاهد مبكر على قدرة إنسان العصر الحجري على التنظيم الجماعي والتخطيط طويل الأمد وبناء العمارة الوظيفية المرتبطة بالاقتصاد الرمزي والطقسي معا.
لو أن أحدا من المشككين أجهد نفسه قليلا، وبحث عبر شبكة الإنترنت، لوجد كما كبيرا من المعلومات عن الاكتشاف وأهميته، والمكون من منشآت بجدران حجرية منخفضة تمتد لمسافات قد تصل إلى كيلومترات، وتتشعب بزاوية واسعة قبل أن تضيق تدريجيا، موجهة قطعان الحيوانات البرية نحو حفر أو حظائر قتل في نهايتها، بينما تبدو من الجو كطائرة ورقية عملاقة، ومن هنا جاءت التسمية الغربية  (Desert Kites)، أما تسميتها بـ”مصائد الموت” فتعكس وظيفتها النهائية لا شكلها.
هذا النمط ليس حكرا على الأردن؛ إذ عثر على أمثلة له في بادية الشام وشبه الجزيرة العربية وشمال الجزيرة السورية، لكن ما يجعل الاكتشاف الأردني فريدا هو الكثافة والتنوع، والقرائن الطقسية المصاحبة التي رصدت في مواقع بعينها، خصوصا في جبال الخشابية بالبادية الجنوبية الشرقية، والذي لم يقتصر على جدران الصيد، وإنما منظومة معمارية وطقسية متكاملة تعود إلى نحو  7 آلاف قبل الميلاد، يتداخل فيها الصيد كممارسة معيشية، والصيد بوصفه طقسا رمزيا، وكذلك الحجارة ذات الملامح البشرية التي تفتح أسئلة “الرمزية المبكرة” حول بدايات الإنسان بنحت المعنى على المادة، وتحميل الحجر قيمة تتجاوز الوظيفة المباشرة.
حين قالت رجاء جزار إن هذه المنشآت “أقدم من الأهرامات”، لم تخطئ من حيث المبدأ الزمني: فالأهرامات المصرية تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، بينما المصائد الحجرية إلى الألفية السابعة قبل الميلاد. والأمر ليس مرتبطا بالزمن فحسب، بل في تعريف “العمارة”، والتي إن فهمت بوصفها مباني شاهقة أو مدنا مسورة، فستقصى هذه المنشآت تلقائيا. أما إذا فهمت العمارة بوصفها تنظيما واعيا للفراغ، واستثمارا طويل الأمد للمادة، وتخطيطا جماعيا يخدم وظيفة محددة، فإنها تقف في قلب هذا التعريف. 
غالبا ما تم تصوير إنسان العصر الحجري في المخيال العام، بوصفه كائنا بدائيا يعيش على الهامش، محكوما بالغريزة وعاجزا عن التخطيط أو التنظيم. غير أن هذه الاكتشافات تجبرنا على مراجعة هذا التصور، فبناء مصيدة تمتد كيلومترات، تتطلب تنسيقا جماعيا ومعرفة دقيقة بسلوك الحيوانات والبيئة، ما يعني أننا أمام مجتمع يمتلك منظومة مجتمعية يتم فيها توزيع أدوار وتعاون طويل الأمد.
الأهم، أن هذه المصائد تسهم في إعادة التفكير في مسألة الاستيطان البشري، فبدل الفرضية التي تتبنى انتقالا حادا من الصيد إلى الزراعة ثم إلى الاستقرار، تكشف المواقع أنماطا وسيطة تتشكل عبر استقرار موسمي أو شبه دائم، قائم على موارد الصيد الجماعي، وعلى طقوس تعيد إنتاج الجماعة ومعناها، ما يعني أن الاستيطان لم يكن نتيجة الزراعة وحدها، بل نتيجة قدرة الإنسان على تنظيم موارده النباتية والحيوانية، وعلى بناء فضاءات مشتركة للعيش والاعتقاد.
جزء من الرفض الذي قوبلت به فيديوهات جزار لا ينطلق من خطأ علمي، بل من حساسية ثقافية أعمق تتمثل في صعوبة تصديق أن يكون الأردن، والبادية تحديدا، مسرحا لاكتشافات تعيد ترتيب السردية العالمية، وكأن هناك من اعتاد أن يرى “المنجز الحضاري” محصورا بأماكن وحضارات بعينها، وما عداها لا يكون إلا هامشا.
للصدفة، كنت قبل يومين في حديث مع الصديق المؤرخ المعروف الدكتور عمر الغول، المختص بالدراسات الشرقية القديمة وعلم النقوش، وقد أبدى استغرابه الشديد من المشككين بامتداد “السردية الأردنية” لأكثر من مليوني سنة. وقد قال لي بالحرف الواحد: “قبل عشرة أعوام كنت أدرس لطلبتي تاريخ الأردن انتهاء بمليون سنة، أما اليوم فنحن ندرسه وصولا إلى أكثر من 2.5 مليون سنة، بحسب رأي علمي قدمه أستاذ العصر الحجري القديم  في الأردن البروفيسور غاري رولفسون، تبعا للاكتشافات الجديدة”.
العلم لا يعترف بالمراكز المتخيلة، بل بالقرائن. والقرائن هنا واضحة، ورجاء جزار، في إصرارها، لم تكن تدافع عن رأي شخصي، وإنما عن حق المعرفة في أن تقال بلغة مفهومة، وعن حق الجمهور في أن يسمع ما تقوله الدراسات الأكاديمية دون أن يجلد لأنه ليس “متخصصا”.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية