مصر تؤكد التزامها بالقانون الدولي في إدارة نهر النيل
شددت مصر الأحد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل. جاء ذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في القاهرة مع بيدرو أروخو أجودو، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي.
وأكد الوزير المصري خلال اللقاء رفض بلاده "الإجراءات الأحادية في أعالي النهر"؛ إذ إنها تمثل، وفق تعبيره، "تهديداً مباشراً لقدرة دول المصب على تلبية احتياجاتها المائية". وتأتي هذه المواقف، بحسب مراقبين، في سياق تأكيدات مصرية متواصلة بشأن ملف النزاع حول سد "النهضة" الإثيوبي، الذي افتتحته أديس أبابا في سبتمبر الماضي.
تنظر دولتا المصب، مصر والسودان، بقلق بالغ منذ بدء إنشاء السد عام 2011، نظراً لتداعياته المحتملة على حصتيهما التاريخيتين من مياه النيل. وقد أعاد النهج الدبلوماسي المصري نفسه التأكيد على رفض "الإجراءات الأحادية في حوض النيل"، مشدداً على التمسك بروح التوافق والأخوة بين الدول الشقيقة في حوض النيل الجنوبي.
مصر تتمسك بحقوقها المائية
ويعتقد دبلوماسيون أن هذه التحركات تمثل "رسالة واضحة تعكس ثبات الدبلوماسية المصرية والتزامها باحترام القواعد والاتفاقيات الدولية المنظمة لاستخدام وإدارة الأنهار والمجاري المائية المشتركة"، رغم حالة الجمود التي تشهدها المفاوضات حتى الآن. وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، أن "هذا النهج يضمن مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه المشتركة، دون الإضرار بحقوق أي دولة من دول الحوض".
كما يعزز هذا الموقف مصر الدبلوماسي أمام المجتمع الدولي. ويبرز بيومي أن "التحركات الدبلوماسية المصرية المتواصلة، سواء على مستوى دول حوض النيل أو عبر المحافل واللقاءات الدولية، تأتي في إطار الحرص على حماية الحقوق المائية لمصر في ظل قضية سد (النهضة)". ورغم تعثر المسار التفاوضي، فإن مصر تواجه فقراً مائياً متزايداً يمثل تحدياً وجودياً.
تعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، على نهر النيل لتأمين قرابة 98 في المئة من احتياجاتها من المياه العذبة، بينما تبلغ حصتها التاريخية المقررة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وتعترض القاهرة على بناء السد منذ البداية، معتبرة أنه ينتهك المعاهدات المنظمة لتقاسم مياه النيل ويمثل تهديداً مباشراً لأمنها المائي.
جهود مصرية لمواجهة ندرة المياه
وخلال لقائه المسؤول الأممي، سلط عبد العاطي الضوء على حالة ندرة المياه في مصر، مشيراً إلى أن نصيب الفرد انخفض إلى أقل من 490 متراً مكعباً سنوياً، أي أقل من نصف حد الفقر المائي وفقاً لمعايير الأمم المتحدة. واستعرض، بحسب بيان لوزارة الخارجية، حزمة الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لسد الفجوة المائية، من بينها إعادة استخدام المياه أكثر من مرة، وإنشاء محطات لتحلية المياه، وتحسين جودة الخدمات المائية.
وعلى نحو أوسع، يربط محللون هذه المشاورات المصرية بتطورات إقليمية ودولية متزامنة، معتبرين أن هذا الحراك يهيئ المناخ لانخراط أميركي مرتقب في ملف سد "النهضة" بعد تأكيد الرئيس دونالد ترمب عزمه جمع زعيمي مصر وإثيوبيا لمحاولة التوصل إلى حل للأزمة. ويرى الباحث السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس أنه "لا يمكن فصل التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة عن الجهود السابقة للدولة المصرية للتوصل إلى حل".
وأشار فارس إلى أن إدارة ترمب تبدو أكثر انخراطاً في هذا الملف مقارنة بمراحل سابقة. وكان ترمب قد أرسل، في يناير الماضي، خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب فيه عن استعداد واشنطن للوساطة واستئناف مفاوضات سد "النهضة"، بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل، وهو ما قوبل بترحيب مصري.
مخاوف من تكرار السيناريو السابق
ورغم هذه المؤشرات، لم يسجل أي تقدم ملموس حتى الآن، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الولاية الأولى لترمب حين تعثرت الجهود الأميركية بعد انسحاب إثيوبيا من الجولة الختامية ورفضها التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن مطلع عام 2020. لكن فارس يرى أن "الأمور تبدو مختلفة هذه المرة"، محذراً من "مخاطر إطالة أمد المفاوضات إلى ما لا نهاية".
وتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً مباشرة على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، مؤكداً أن أي نكوص إثيوبي عن التفاهمات قد يفتح الباب أمام فرض عقوبات. ويذكر أن وزارة الخزانة الأميركية سابقاً قامت بتعليق مساعدات لإثيوبيا بنحو 100 مليون دولار عقب فشل مفاوضات سابقة.







