الحسبان يكتب: من يحكم العالم؟ زوار جزر العار وصناعة الوصاية الأخلاقية - جزيرة جيفري ابستين

{title}
أخبار الأردن -

 

د. فراس حمدان الحسبان

لم تعد قضية جزيرة جيفري إبستين مجرد فضيحة أخلاقية عابرة، بل تحولت إلى وثيقة سياسية فاضحة تكشف طبيعة النخبة التي تدير العالم من خلف ستار القيم. فما خرج إلى العلن لم يعر أفراداً فقط، بل عرى منظومة سلطة كاملة استخدمت الفضيلة خطاباً، والعهر ممارسةً ، والوصاية الأخلاقية أداةً للهيمنة.

إن زوار جزر العار لم يكونوا من الهامش أو من عالم الجريمة السفلي، بل من قلب النظام العالمي: سياسيون نافذون، قادة رأي إعلاميون مؤثرون مشاهير فنانون، وشخصيات مرتبطة بمنظمات دولية طالما نصبت نفسها حكماً أخلاقياً على شعوب العالم. هؤلاء أنفسهم كانوا جزءاً من شبكة تستبيح الفطرة الإنسانية، وتتصادم مع جميع الأديان السماوية، بينما يواصلون الظهور في العلن كحماة للإنسان وحقوقه.

الأخطر من الانحراف ذاته هو تحويله إلى مشروع سياسي وثقافي. فهذه النخبة لم تكتف بممارساتها ، بل عملت على تصدير الانحراف بوصفه معياراً حضارياً، وفرضه على المجتمعات عبر الإعلام، والضغط السياسي، والمنظمات الحقوقية تحت شعارات الحرية الفردية وحقوق الإنسان، شنت حملات منظمة لتجريم الأخلاق، وتشويه الدين، وضرب الأسرة، وتجفيف منابع القيم، لا سيما في العالم الإسلامي.

لقد استخدمت الفضيلة كسلاح سياسي انتقائي : تُرفع في وجه الدول والشعوب التي ترفض الانصياع، وتسحب فوراً عندما يتعلق الأمر بنخبة النفوذ. وهنا يسقط الادعاء الأخلاقي بالكامل، ويتضح أن ما يُسوّق كمنظومة قيم عالمية ليس سوى غطاء أيديولوجي لمصالح القوة والهيمنة.

في العالم الإسلامي، كان الاستهداف مباشراً وفجّاً. فكل تمسك بالقيم الدينية صور كتهديد للمدنية، وكل دفاع عن الأخلاق وصم بالتطرف، بينما كشفت الملفات أن من قادوا هذا الخطاب كانوا غارقين في انحرافات شملت استغلال الأطفال، وممارسات شاذة صادمة، وانتهاكات لا يمكن لعقل إنساني سليم تبريرها أو القبول بها.

أما منظمات حقوق الإنسان، فقد ظهرت في هذه القضية بوصفها جزءاً من المشكلة لا الحل. صمتها، وانتقائيتها، وتواطؤها الفاضح، أكد أنها تعمل كأدوات ناعمة للمنظومة الحاكمة تحمي الأقوياء، وتجلد الضعفاء، وتمنح الغطاء الأخلاقي للعهر حين يكون الفاعل من النخبة. "

وجاءت ملفات إبستين لتؤكد حقيقة سياسية لا لبس فيها العدالة الدولية لا تعمى صدفة، بل تُعْمَى عمداً. فالأسماء الكبيرة تُحمى، والملفات تُجزّأ، والفضائح تُدار بدقة، لا بهدف المحاسبة، بل بهدف الاحتواء.

نظام لا تحكمه القوانين، بل شبكة مصالح مغلقة تحاسب من تشاء وتعفو عمن تشاء.

قضية إبستين ليست نهاية القصة، بل بدايتها. إنها إنذار أخلاقي وسياسي للشعوب التي ما زالت تلفن دروس الفضيلة من أفواه ثبت فسادها. لم تعد الوصاية الأخلاقية القادمة من الخارج مقبولة، ولا الخطاب الحقوقي الانتقائي جديراً بالثقة.

إن الدفاع عن القيم ليس تراجعاً حضارياً، بل فعل مقاومة أخلاقية وسياسية في وجه منظومة سقطت أخلاقياً، وتحاول تعميم سقوطها باسم التقدم. وبعد إبستين، لم يعد السؤال: هل النظام العالمي منافق ؟

بل لماذا ما زال البعض يصر على تصديقه ؟

سقط القناع... ومن لا يرى الحقيقة ،اليوم، فالمشكلة لم تعد في نقص الأدلة، بل في غياب الإرادة على المواجهة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية