ماذا يريد جلالة الملك من إعادة هيكلة الجيش العربي؟... الرداد يجيب
قال خبير الأمن الاستراتيجي الدكتور عمر الرداد إن التوجيه الملكي بإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية لا يمكن فصله عن قراءة استشرافية دقيقة لمآلات الإقليم والنظام الدولي، إذ يعكس إدراكًا مبكرًا بأن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة من الصراعات، تختلف في طبيعتها وأدواتها ومنطقها عن الحروب التي سادت العقود الماضية، حتى وإن لم تكن بالضرورة حروبًا شاملة أو تقليدية.
وأوضح في تصريح خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن مضمون الرسالة الملكية ينطلق أولًا من خلفية عسكرية احترافية لجلالة الملك، ومن متابعة لصيقة للتغيرات المتسارعة في بنية التهديدات، حيث لم تعد المخاطر محصورة في جيوش نظامية أو مواجهات حدودية مباشرة، فقد باتت تتخذ أشكالًا مركّبة تتداخل فيها التحولات الإقليمية العميقة مع الانقلابات الحادة في موازين القوى الدولية، ما يفرض على الدولة أن تتحرك وفق منطق الاستجابة المبكرة والتكيّف الاستراتيجي بدل الانتظار وردّ الفعل.
وبين الرداد أن الرسالة الملكية تبعث بإشارات واضحة إلى ضرورة تعزيز الاعتماد على الذات، دون القطيعة مع الحلفاء، عبر بناء شبكة علاقات متوازنة مع المحيط الإقليمي ومراكز القرار الدولي، بما يضمن للأردن هامش حركة أوسع في بيئة تتسم بالسيولة وعدم اليقين، ويحدّ من ارتهانه لأي متغيرات مفاجئة قد تفرضها تحولات الصراع في الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن مفهوم البساطة والفاعلية الوارد في التوجيه الملكي، يتقاطع جوهريًا مع مبدأ الرشاقة العسكرية، أي الانتقال من التركيز على الكم والحشد إلى التركيز على النوع والكفاءة، فالحروب الحديثة، وفق هذا التصور، لم تعد تُحسم بالجيوش الجرّارة أو التشكيلات الثقيلة وحدها، وإنما بمن يمتلك التفوق التكنولوجي، والقدرة على الدمج بين المعلومات والقرار والتنفيذ في زمن قياسي.
ولفت الرداد إلى أن التجارب الحديثة في المنطقة والعالم أثبتت أن مفاهيم الحرب التقليدية تشهد تراجعًا واضحًا أمام صعود أدوات الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، وأنظمة الاستشعار، والحرب السيبرانية، حيث باتت هذه العناصر قادرة على إحداث تأثير استراتيجي يفوق أحيانًا ما تحدثه الأسلحة الثقيلة الكلاسيكية، ومن هنا، يأتي التركيز الملكي على تطوير القدرات الوطنية في مجال التصنيع العسكري، ولا سيما عبر مركز الملك عبد الله الثاني للتصميم والتطوير، باعتباره ركيزة أساسية لبناء استقلالية تقنية مدروسة تعزز الجاهزية العسكرية وتقلل من فجوات الاعتماد الخارجي.
ونوه إلى أن الحروب المعاصرة كشفت بوضوح أن معيار القوة يقاس بامتلاك أدوات ذكية منخفضة الكلفة وعالية التأثير، كما أظهرت ذلك نماذج متعددة في الصراعات الدولية، حيث لعبت الطائرات المسيّرة، والاختراقات السيبرانية، وإدارة البيانات، دورًا حاسمًا في تغيير موازين المواجهة حتى في مواجهة جيوش تقليدية كبرى.
وفيما يخص التحدي المتعلق بالكلف المالية والخبرات التقنية اللازمة للانتقال نحو ما يُعرف بحروب الجيل السادس، رأى الرداد أن ما يسمى بالثورة الصناعية الرابعة قد كسر إلى حد كبير احتكار الدول الكبرى للتكنولوجيا المتقدمة، فهذه التقنيات باتت متاحة على نطاق أوسع، ولم تعد محصورة بمنظومات مغلقة كما كان الحال في الصناعات العسكرية الكلاسيكية، ما يفتح المجال أمام الدول متوسطة الموارد، مثل الأردن، للاستثمار في العقول والكفاءات الوطنية بدل الدخول في سباق تسلّح مكلف وغير مستدام.
وذكر أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص الخبرات بقدر ما يرتبط بجانب التمويل، مشيرًا إلى أن الأردن يمتلك قاعدة بشرية مؤهلة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتكنولوجيا الدفاعية، وهي عناصر كفيلة – إذا ما أحسن استثمارها – بإنتاج قدرات نوعية تتناسب مع احتياجات الأمن الوطني، دون الحاجة لمجاراة القوى الكبرى في سباقها المفتوح.
وأكد الرداد أهمية البعد الدولي في التوجيه الملكي، ولا سيما في ظل الشراكة المتقدمة مع حلف شمال الأطلسي، والتي تجسدت باستضافة عمّان مكتب ارتباط دبلوماسي للحلف، كأول حضور سياسي من نوعه في الشرق الأوسط، مستطردًا أن هذه العلاقة تتيح للأردن فرصًا واسعة لبناء تعاون أمني وتقني مرن، سواء على المستوى الثنائي أو متعدد الأطراف، بما يعزز قدراته الدفاعية دون المساس باستقلالية قراره السيادي.
وخلص إلى أن التوجيه الملكي لا يعكس قلقًا آنيًا من حرب وشيكة بقدر ما يجسد رؤية استشرافية شاملة تسعى إلى تحصين الدولة، وإعادة تعريف دور الجيش، وتجهيزه للتعامل مع حروب غير تقليدية، يكون فيها الذكاء، والمرونة، والجاهزية التقنية، عناصر الحسم الأساسية في معادلات القوة المقبلة.







