تحول استراتيجية الامن الوطني الاردني وفق رؤية جديدة للجيش العربي
قال اللواء الركن المتقاعد محمد الثلجي إن الرسالة الملكية الموجهة إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الاردنية جاءت في لحظة اقليمية ودولية بالغة التعقيد والتداخل. وتتقاطع فيها التحولات التكنولوجية المتسارعة مع اختلالات بنيوية في النظام الاقليمي والدولي. ومع زيادة مضطردة في اشكال الصراع غير التقليدي. وتراجع قدرة الدولة الوطنية على احتكار ادوات القوة وحدها.
وأوضح الثلجي في تصريحات له مساء السبت أن الرسالة لا يمكن قراءتها بوصفها توجيهًا اداريًا أو عسكريًا تقليديًا. بل باعتبارها وثيقة سياسية–امنية تعيد تعريف وظيفة الجيش العربي. وترتب حدود دوره. وأدوات فعاليته في بيئة استراتيجية شديدة التغير وسريعة التحول.
وأضاف أن الرسالة تعكس ادراكًا واضحًا بأن التهديدات التي تواجه الاردن لم تعد محصورة في سيناريوهات الغزو أو الاشتباك العسكري التقليدي. بل أصبحت معقدة ومتعددة المستويات. تمتد من الحدود الجغرافية إلى الفضاء السيبراني. ومن العمل العسكري المباشر إلى الضغوط الاقتصادية والنفسية والاعلامية.
تحولات استراتيجية جديدة للجيش العربي
وأشار إلى أن الحديث عن الحروب الهجينة وغير التقليدية واتساع بيئة العمليات يدل على أن الدولة الاردنية ترى نفسها في مواجهة طيف واسع من المخاطر التي تعد من العمليات الرمادية ودون عتبة الحرب. وتستهدف الادراك والارادة الوطنية. والاستقرار الداخلي. ومراكز القرار السياسي. بقدر ما تستهدف الارض أو القوة العسكرية ذاتها.
وبيّن الثلجي أن اعادة الهيكلة المقترحة تمثل في جوهرها تحولًا في استراتيجية الامن الوطني الاردني. وليست مجرد تطوير للقدرات القتالية. لافتا إلى أن الرسالة تحمل اعترافًا صريحًا بأن مستقبل الصراع لا تحكمه الاجيال التقليدية للحرب. وإنما أدوات الجيل الخامس وربما السادس للحرب. وفي مقدمتها الحرب السيبرانية. الانظمة غير المأهولة. الذكاء الاصطناعي. والسيطرة على البيانات والمعلومات.
وأوضح أن اللافت استراتيجيًا هو أن الملك لا يطلب امتلاك منظومة متكاملة في جميع هذه المجالات. بل يدعو إلى تحقيق تفوق نوعي وانتقائي في مجال أو أكثر. في طرح يعكس واقعية استراتيجية عالية تدرك محدودية الموارد. وتتبنى مبدأ التخصص الذكي بدلًا من وهم التكافؤ الشامل مع قوى اقليمية متفوقة.
استراتيجية مرنة تحمي مصالح الاردن
وأشار إلى أن الرؤية الملكية تسعى إلى نقل الجيش العربي من منطق الاستعداد الشامل إلى منطق القدرة المؤثرة. عبر امتلاك نقاط قوة محددة تجعل كلفة تجاوز الاردن أو الضغط عليه مرتفعة. ولو دون اندلاع حرب مفتوحة.
وفيما يتعلق بالمحددات الاقليمية، قال الثلجي إن الرسالة تقرأ في سياق اقليمي شديد الحساسية. يظل فيه التفوق العسكري الاسرائيلي ثابتًا بنيويًا ومدعومًا بضمانات امريكية واضحة. موضحا أن غياب الاشارة الصريحة إلى اسرائيل أو سباق تسلح تقليدي هو اختيار سياسي واع. لا غفلة لغوية.
وأضاف أن الرسالة لا تتحدى معادلة التفوق الاسرائيلي. ولا تسعى لكسر السقوف الامريكية. لكنها تؤكد حق الاردن في امتلاك قدرات ردع وصمود تحمي امنه الوطني ومراكزه الحيوية. من خلال اعادة تعريف الردع الاردني من ردع تقليدي قائم على القوة النارية إلى ردع مرن قائم على الجاهزية. الاستخبارات. الحماية. والقدرة على الاستمرار.
تركيز على المرونة والقدرة الاستراتيجية
وأكد الثلجي أن الرسالة الملكية تراعي الواقع الاقتصادي الاردني. وتتجنب المشاريع المكلفة. وتركز على الرشاقة والمرونة النوعية. بما يعني اعادة توزيع الموارد لا زيادتها. وتقليص الترهل التنظيمي. ودمج الوظائف المتشابهة. والاستثمار في التكنولوجيا والعقل البشري بدل الكتلة العددية.
وأوضح أن الرسالة تعطي أولوية واضحة لحماية مراكز الثقل الاستراتيجية والعملياتية. بما يتجاوز الدفاع عن الحدود ليشمل القيادة السياسية. البنية التحتية الحيوية. شبكات الطاقة والمياه. الاتصالات. والاستقرار الداخلي. من خلال منظومات انذار ورصد فعّالة. وتكامل استخباري–تقني. وحماية سيبرانية متقدمة. وقيادة وسيطرة موثوقة وآمنة.
وأشار إلى أن الرسالة تراهن على القيادة العسكرية والمؤسسة القائمة. وتمنحها غطاءً سياسيًا كاملًا. مؤكدا أن الجيش العربي يمتلك خبرة تراكمية عالية في ادارة التهديدات غير التقليدية. وضبط الحدود. والعمل المشترك مع الاجهزة الامنية. إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في التحول الذهني والمؤسسي من ثقافة التشكيل إلى ثقافة المنظومة. ومن الالتزام الحرفي إلى الابتكار. ومن التلقّي إلى الانتاج المعرفي.
رؤية استراتيجية طموحة
وبين الثلجي بالقول إن الرسالة الملكية ليست اعلان حرب. ولا استعراض قوة. ولا وثيقة علاقات عامة. بل اعادة تموضع استراتيجي للجيش العربي في بيئة دولية واقليمية متغيرة. وهي رؤية واقعية واعية للقيود. لكنها طموحة في اعادة تعريف الفاعلية العسكرية.
وتابع "النجاح في تنفيذها سيجعل من الاردن نموذجًا لدولة صغيرة. مستقرة. وقادرة على حماية نفسها عبر الذكاء الاستراتيجي لا فائض القوة".







