الكرك تغرق بين ضعف البنية التحتية وغياب الخطط الاستراتيجية

{title}
أخبار الأردن -

 

 

شهدت محافظة الكرك، بتاريخها العريق وموقعها الجغرافي المتميز في جنوب الأردن، مؤخراً موجات من السيول الجارفة التي حوّلت أجزاء واسعة من مدنها وقراها إلى مناطق منكوبة. لم تكن هذه الأحداث مجرد ظواهر جوية عابرة، بل كانت كاشفاً لواقع مؤلم يتمثل في ضعف البنية التحتية وعدم جاهزية مؤسسات الدولة للتعامل مع الكوارث الطبيعية المتكررة. إن التحدي الذي يواجه الكرك اليوم يتجاوز حجم الأمطار؛ إنه تحدٍ يتعلق بالمسؤولية والتقصير الحكومي الذي أدى إلى تفاقم الأضرار وتحويل الأزمة إلى كارثة إنسانية واقتصادية حقيقية.

تتجلى الكارثة في عدة مستويات مترابطة. أولاً، الدمار المادي الذي لحق بالممتلكات الخاصة والعامة. فقد جرفت السيول منازل ومزارع، وألحقت أضراراً بالغة بشبكات الطرق والمياه والكهرباء. في بعض المناطق المنخفضة، تحولت الشوارع إلى أنهار طينية، مما عزل السكان وعطّل حركة الحياة بالكامل. هذا التدمير لا يمثل خسارة مالية فحسب، بل هو تهجير مؤقت أو دائم للعائلات وفقدان لمصادر رزقها، خاصة وأن الزراعة تمثل عصب الحياة للكثير من المجتمعات المحلية في لواءي المزار والقطرانة.

ثانياً، كانت الاستجابة الأولية للكارثة بطيئة وغير متناسقة، مما يسلط الضوء على خلل هيكلي في منظومة إدارة الطوارئ الوطنية والمحلية. على الرغم من وجود خطط طوارئ نظرية، فإن التطبيق العملي أظهر قصوراً واضحاً في التنسيق بين الدفاع المدني، والأشغال العامة، وسلطات التعبئة المحلية. التأخر في فتح الطرق الرئيسية والفرعية المعزولة أدى إلى تأخير وصول المساعدات الأساسية وإجلاء العالقين، مما زاد من حالة اليأس والقلق بين المواطنين. هذا التقصير يطرح تساؤلات جدية حول مدى جاهزية المعدات والكوادر البشرية للتعامل مع سيناريوهات الفيضانات الكبرى، وهي ظاهرة باتت متكررة في المملكة.

إن السبب الجذري لهذا التقصير يكمن في الإهمال المزمن للبنية التحتية القديمة وغير الملائمة للظروف المناخية المتغيرة. شبكات تصريف مياه الأمطار في العديد من أحياء الكرك، وخاصة المناطق التاريخية والحديثة التي نمت بعشوائية نسبية، لم تخضع للصيانة الدورية أو التطوير منذ عقود. هذه الشبكات لم تُصمم لتحمل الكميات الهائلة والمفاجئة من المياه التي تتسبب بها المنخفضات الجوية العنيفة. التخطيط العمراني الضعيف، والسماح بالبناء في مجاري السيول الطبيعية دون رقابة صارمة، سهّل مهمة المياه الجارفة في الوصول إلى قلب التجمعات السكنية. إن غياب التحديث المستمر لهذه الشبكات يعد تقصيراً مباشراً يقع على عاتق الوزارات المعنية بالبنية التحتية والمحافظة.

علاوة على ذلك، برز تقصير إداري في الجانب التنبؤي والتحذيري. فعلى الرغم من الإعلانات الجوية عن احتمالية هطول أمطار غزيرة، يبدو أن التحذيرات لم تُترجم إلى إجراءات وقائية ملموسة على المستوى المحلي. لم يتم تفعيل عمليات إخلاء استباقية للمناطق الأكثر عرضة للخطر، ولم تُفعّل الإجراءات الاحترازية الخاصة بالجهات المعنية بالبنية التحتية لإزالة العوائق المتوقعة من مجاري السيول قبل وصول العاصفة. هذا التقصير في الجانب الاستباقي يشير إلى ثقافة إدارية تميل إلى رد الفعل بدلاً من الوقاية، وهي ثقافة مكلفة جداً في سياق إدارة الكوارث.

كما يظهر الجانب الاجتماعي للتقصير في آلية توزيع المساعدات والتعويضات. بعد مرور فترة وجيزة على الكارثة، تبدأ وتيرة الدعم الحكومي في التباطؤ، وتصبح الإجراءات البيروقراطية للحصول على تعويضات عن الأضرار معقدة وطويلة الأمد. هذه الإجراءات تخلق عبئاً إضافياً على الأسر التي فقدت ممتلكاتها وأصبحت تعتمد على موارد محدودة في فترة التعافي. غياب الشفافية والعدالة في تقييم الأضرار وتوزيع المساعدات يغذي الشعور بالإحباط وعدم الثقة في قدرة الحكومة على حماية مواطنيها ورعاية مصالحهم بعد وقوع الأزمة.

إن التعامل مع الوضع الكارثي في الكرك يتطلب أكثر من مجرد حملات تنظيف مؤقتة. إنه يتطلب محاسبة واضحة للمسؤولين الذين أهملوا صيانة البنى التحتية الأساسية، وتطوير خطط طوارئ واقعية وقابلة للتنفيذ، وتحديث شامل لشبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار في جميع المناطق المهددة. كما يجب إعادة النظر في اللوائح المتعلقة بالتخطيط العمراني لضمان عدم تكرار البناء في مسارات السيول. الشعور العام بين أهالي الكرك هو شعور بالتخلي؛ فقد شعروا بأنهم يواجهون قوة الطبيعة وحدهم، وأن الأجهزة الحكومية دخلت في نمط الإطفاء السريع للأزمة بدلاً من إدارة مستدامة للمخاطر.

في الختام، يمثل الدمار الذي خلفته السيول في محافظة الكرك جرحاً عميقاً لا يقتصر على الخسائر المادية، بل يمتد ليشمل الثقة في المؤسسات العامة. إن تكرار مثل هذه الكوارث في مناطق مختلفة من المملكة يؤكد أن القصور ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكم من التقصير الحكومي في الاستثمار الوقائي، والتخطيط غير الفعال، وضعف الاستجابة التشغيلية. استعادة الحياة الطبيعية في الكرك تتطلب تضافر الجهود الشعبية، ولكنه يتطلب أولاً وقبل كل شيء التزاماً حكومياً جاداً بإصلاح البنى التحتية المتداعية ومحاسبة المسؤولين عن الإهمال الذي حول حدثاً مناخياً متوقعاً نسبياً إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية