الأردن يعيد ضبط الجنوب السوري برؤية استخبارية جديدة

{title}
أخبار الأردن -

الأستاذ الدكتور نبيل العتوم

لم يكن تسليم الجيش الأردني ملفًا استخباراتيًا شديد الحساسية لوزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة خطوة بروتوكولية، بل كان جزءًا من مسار محسوب انتقلت فيه عمّان من التحذير من نتائج التقييم الأردني للوضع في الجنوب السوري إلى الفعل. فالملف؛ الذي تضمّن معطيات دقيقة عن شبكات تهريب ومجموعات خارجة عن القانون، مثّل إعلانًا غير مباشر بأن الأردن بات يمتلك صورة ميدانية كاملة، وأن مرحلة التساهل مع الفوضى على حدوده الشمالية قد انتهت.

وانطلاقًا من هذه المعطيات، تبيّن للأجهزة الأردنية أن نشاط التهريب تجاوز الإطار الإجرامي التقليدي، ليتحوّل إلى شبكة هجينة تجمع بين السلاح والتكنولوجيا والطموح السياسي ؛ فاستخدام الطائرات المسيّرة ووسائل تمويه غير مسبوقة، وحتى طيور الحمام، لم يكن تفصيلًا تقنيًا بقدر ما كان مؤشرًا استخباريًا على وجود خبرات منظمة ترى في الجنوب السوري بيئة قابلة للاستثمار طويل الأمد.

ومن هنا جاء قرار القيادة الأردنية بإجراء تقدير موقف شامل، لم ينطلق من سؤال ضبط الحدود فحسب ؛ بل من سؤال أعمق يتعلق بهوية المستفيد من بقاء هذه الفوضى، هذا التحول في زاوية الرؤية دفع عمّان إلى التعامل مع الجنوب السوري كساحة تهديد استراتيجي، لا كملف أمني قابل للاحتواء بالوسائل التقليدية.

وفي سياق ترجمة هذا التقدير إلى فعل، حمل التحرك الأردني رسائل إقليمية واضحة؛ فإلى إيران، أوضح الأردن أن استخدام شبكات التهريب كأدوات نفوذ غير مباشر أو كقنوات ضغط لن يمرّ دون كلفة. وإلى إسرائيل، جاءت الرسالة حاسمة، مفادها أن الجنوب السوري ليس مساحة مفتوحة لإدارة الفوضى أو إبقائها رخوة بما يخدم توازنات مؤقتة على حساب الأمن الأردني.

وبالتوازي مع ذلك، وُجهت رسالة أشد صرامة إلى تنظيم داعش وبقاياه، إذ إن الطابع الاستباقي للعملية الأردنية، واعتمادها على معلومات دقيقة، يؤكدان أن أي محاولة لإعادة التموضع أو استغلال الفراغ الأمني ستُواجه بضربات مباشرة قبل أن تتحول إلى تهديد قائم.

وعلى هذا الأساس، تعكس الخطة التي دخلت حيّز التنفيذ تحولًا في العقيدة الدفاعية الأردنية، من الاكتفاء بحماية الحدود إلى استهداف مصادر التهديد في عمقها، عبر مزيج من الرصد الاستخباري البشري والفني، والردع الميداني ، والتفكيك المنهجي للشبكات ، ورصد التحول في ألية عملها ، وهو نهج يقوم على منع الخطر قبل تبلوره، لا التعامل معه بعد انفجاره.

ومن الزاوية السياسية، جاء هذا التحول العسكري ليضع دمشق أمام معادلة واضحة وإن لم تُعلن صراحة: ضبط الجنوب لم يعد خيارًا مؤجلًا، وأي فراغ سيادي سيُقابل بإجراءات أردنية مباشرة لحماية الأمن القومي ، وأن تسليم الملف الاستخباراتي كان بمثابة رسالة أخيره، يسبق مرحلة الفعل ولا يلغيها.

في المحصلة، ما يجري على الحدود الشمالية ليس مجرد مواجهة مع التهريب، بل إعادة رسم لقواعد الاشتباك في الجنوب السوري، الأردن تحرّك بعقل استخباري ترجمته رسائل محسوبة بقوة النار ، ليؤكد أن هذه الجبهة خرجت من الهامش، وأن من يراهن على الفوضى سيجد أن عمّان قررت أن تكون لاعبًا فاعلا ومباشرا لا متلقيًا في معادلة الأمن الإقليمي.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية