المرحلة الثانية في غزة لن تكون رحيمة

{title}
أخبار الأردن -

 

قال الخبير العسكري أيمن الروسان إنّ قطاع غزة يتجه اليوم نحو مفترق بالغ الحساسية، بعد أن باتت التطورات الميدانية انعكاسًا مباشرًا لما يجري في الكواليس السياسية والدبلوماسية، ولم تعد منفصلة عنها كما في المراحل السابقة.

وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" أنّ استمرار الخروقات الإسرائيلية وعمليات الاغتيال والضربات الانتقائية يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، بالتوازي مع تفاهمات تُدار خلف الأبواب المغلقة، ما تزال غير مكتملة المعالم، ويُعلن أن هدفها الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق مع مطلع العام الجديد، في حين أن هدفها الضمني يتمثل في إعادة ضبط الصراع وإدارته لا حسمه.

وبيّن الروسان أن هذه الخطة، رغم صياغتها ضمن تسلسل زمني صارم، تصطدم بتحديات عميقة، في ظل وقف إطلاق نار هش، وواقع تقسيم فعلي لقطاع غزة إلى مناطق نفوذ تسيطر حركة حماس على جزء منها، فيما تفرض إسرائيل سيطرتها على أجزاء أخرى، يفصل بينها ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، في محاولة لإعادة إنتاج معادلة "غزة الشرقية" و"غزة الغربية" كأمر واقع سياسي وأمني جديد.

ونوّه إلى أن إشكالية القوة الدولية المقترحة تُعد من أبرز عقد المرحلة المقبلة، إذ ترفض غالبية الدول المرشحة للمشاركة الانخراط في مهام قتالية أو فرض أمني مباشر، في مقابل وجود نوايا إسرائيلية واضحة لإعاقة الخطة من أساسها، مستطردًا أن تل أبيب ترفض بشكل قاطع أي مشاركة تركية في انتشار دولي داخل القطاع، وتوظف في الوقت ذاته مسألة تأخر تسليم إحدى الجثث كذريعة سياسية، رغم إدراكها لحجم الدمار وصعوبة العمل اللوجستي في غزة.

ونوّه إلى أن هذه الذرائع لا تعرقل الاتفاق بقدر ما تكشف عن استراتيجية رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الهادفة إلى تفريغه من مضمونه، مشيرًا إلى أن الحكومة الإسرائيلية تبدو مرتاحة للوضع القائم، بعدما فرضت سيطرتها الفعلية على نحو 60% من مساحة القطاع، وتنفذ اختراقاتها الميدانية بأقل قدر من الضغوط الدولية.

وتابع الروسان أن إسرائيل لم تلتزم باستحقاقات المرحلة الأولى من الاتفاق، سواء فيما يتعلق بإدخال المساعدات أو فتح المعابر أو تنفيذ انسحاب جزئي، ذلك أنها توسعت عسكريًا داخل الخط الأصفر بمئات الأمتار، وفرضت قواعد اشتباك تمنحها حرية العدوان دون كلفة سياسية أو قانونية، بهدف إبقاء المقاومة في حالة استنزاف دائم ومنعها من إعادة تنظيم صفوفها.

وأشار إلى أن نتنياهو والتيار اليميني المتطرف لا ينظرون إلى الاتفاق باعتباره نهاية للحرب، بقدر ما يمثل قيدًا مؤقتًا على السيطرة الأمنية، ولذلك يراهنون على الوقت والميدان عبر إعادة التموضع وتحديث بنك الأهداف والاستعداد لجولات قادمة، بالتوازي مع البحث عن مصادر تمويل جديدة، مؤكدًا أن التفاوض يُستخدم في هذه المقاربة لتخفيف الضغط الدولي لا للوصول إلى تسوية سياسية.
وأشار إلى أن هذا المسار يتزامن مع انقسام داخل إسرائيل نفسها، حيث تميل المؤسسة الأمنية المنهكة إلى اتفاقات جزئية تخفف العبء العملياتي، بينما تخشى الحكومة من أن يؤدي وقف الحرب إلى سقوطها سياسيًا، ما يدفعها إلى إدامة الصراع بأشكال مختلفة.

ولفت الروسان إلى أن التهديدات الإسرائيلية بنزع السلاح "بالقوة" تتكرر رغم فشلها في تحقيق ذلك خلال عامين من الحرب، لافتًا إلى أن هذا الطرح يتناقض مع رؤية الوسطاء الذين يرون أن نزع السلاح مرحلة متأخرة، تأتي بعد تشكيل قوة استقرار وبسط سلطة فلسطينية قادرة على إدارة القطاع.

وذكر أن جوهر الخلاف يكمن في أن السلاح، وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، حق مشروع لشعب واقع تحت الاحتلال، وأن ما تسعى إليه واشنطن وتل أبيب هو نزع حق الفلسطينيين في المقاومة لا مجرد نزع سلاح الفصائل.

وتابع الروسان أن مسألتي نزع السلاح وتدمير الأنفاق ستبقيان محوريتين في تحديد مستقبل غزة، لافتًا إلى مفارقة تتمثل في استعداد حركة حماس للتفاوض حول هذا الملف ضمن مسار سياسي شامل، في وقت تبدو فيه إسرائيل مستفيدة من بقاء الحركة في القطاع لاستخدام وجودها ذريعة لتجديد العدوان متى شاءت.

وخلص إلى أن الكواليس تشهد حراكًا مكثفًا، من خلال اجتماعات للوسطاء في ميامي، وترقب لقاء مرتقب بين نتنياهو والرئيس الأميركي في نهاية الشهر الجاري، يُفترض أن يُحسم خلاله مصير المرحلة الثانية، والمشاركة التركية، وطبيعة عمل قوة الاستقرار الدولية، ومسألة تجميد السلاح، إضافة إلى خيار الانسحاب الإسرائيلي أو البقاء داخل القطاع، في محاولة لتكريس الفصل الجغرافي والسياسي وإضعاف فكرة الدولة الفلسطينية الواحدة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية