القصة التي يرفض الغرب سماعها
قال أستاذ العلاقات الدولية في واشنطن الدكتور عصام صيام، إن الإدارة الأمريكية لم تعد تلتزم بالثوابت التي حكمت السلوك السياسي الغربي لعقود، إذ باتت تتصرف خارج الأطر المؤسسية والقانونية، وبمنطق القوة العارية، ما ينذر بتداعيات استراتيجية تتجاوز الإقليم لتطال بنية الاستقرار العالمي برمّتها.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن المرحلة الراهنة تتسم بحالة غير مسبوقة من الاختلال في موازين العدالة الدولية، حيث تتقاطع الغطرسة الصهيونية مع الدعم الأمريكي المفتوح، لتنتج واقعًا سياسيًا قائمًا على الإفلات من العقاب، وتكريس الازدواجية، وتهميش منظومة القانون الدولي الإنساني، وهو ما تجلّى بوضوح في الانحياز الكامل لإدارة دونالد ترامب إلى حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل، ليس فقط عبر الدعم العسكري غير المشروط، وإنما من خلال تعطيل أدوات المساءلة الدولية، والضغط السياسي والقانوني على المؤسسات الأممية.
وبيّن صيّام أن واشنطن ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، حين فرضت عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية بسبب تمسكهم بمذكرات الاعتقال بحق قادة الاحتلال، في سابقة خطيرة تعكس تفكيكًا متعمّدًا لمفهوم العدالة العابرة للحدود، وتحويل القانون الدولي من منظومة ملزمة إلى أداة انتقائية تُفعَّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تمسّ الحلفاء.
واستطرد أن هذا المسار السياسي لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لحالة الذل والانكسار التي تعيشها المنطقة العربية والإسلامية، في ظل عجز رسمي، وصمت مؤسساتي، وانكفاء جماعي عن الدفاع حتى عن الكرامة الرمزية للشعوب، مشيرًا إلى أن الإهانات العلنية التي وُجهت إلى دول عربية وإسلامية، دون ردود فعل تُذكر، تمثل مؤشرًا صارخًا على عمق التراجع في الوزن السياسي والسيادي للأمة.
وبيّن أن تراكم هذه المظلوميات، مقرونًا بانعدام العدالة الاجتماعية، واستمرار الاستبداد، وتفاقم الفجوة بين الخطاب الغربي والممارسة الفعلية، يخلق بيئة سياسية واجتماعية شديدة الهشاشة، تتحول تدريجيًا إلى تربة خصبة لإعادة إنتاج العنف المنظم، وليس مجرد احتوائه أو تطويقه.
وانتقل صيام في هذا السياق إلى تفكيك المقاربة الغربية في التعامل مع التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم داعش، معتبرًا أن الخطأ العميق في هذه المقاربة يتمثل في اختزال الظاهرة في بعدها الأمني، والتعامل معها كملف عسكري قابل للإغلاق عبر الاستهداف والقصف والملاحقة، متجاهلين أن الفكر التكفيري لا يولد في الفراغ، بل ينمو في سياقات الظلم، والاحتلال، والإقصاء، وفقدان الأفق السياسي.
وأضاف أن التجارب التاريخية، من مصر إلى العراق وسوريا، أثبتت أن تفكيك التنظيمات بالقوة لا يعني القضاء على أسباب نشأتها، إذ سرعان ما تعيد هذه الحركات إنتاج نفسها بأسماء جديدة وأطر أكثر تشددًا، كما حدث بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حين تحولت بقايا الجماعات الجهادية إلى تنظيم القاعدة، قبل أن تتطور لاحقًا إلى داعش، بوصفها النسخة الأكثر دموية وتوحشًا في التاريخ الحديث.
وأشار صيام إلى أنه، وعلى الرغم من النجاحات العسكرية التي حققها التحالف الدولي في إضعاف داعش ميدانيًا، إلا أن التنظيم لم يُهزم فكريًا ولا اجتماعيًا، بدليل استمرار تأثير أيديولوجيته في العمليات الفردية حول العالم.
ونوّه إلى أن استمرار السياسات الدولية القائمة على القمع، والكيل بمكيالين، وتجاهل الجذور العميقة للأزمات، ولا سيما بعد حرب غزة، سيؤدي حتمًا إلى إعادة تدوير العنف، ومنح التنظيمات المتطرفة فرصًا جديدة للتمدد، محذرًا من أن العالم، إذا لم يُراجع مقارباته جذريًا، فإنه لا يقف أمام نهاية داعش، وإنما أمام نسختها القادمة.

