العقوبات البديلة تفرض واقعًا قضائيًا جديدًا في الأردن... الخزاعي يوضح
قال أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي إن التحول نحو تطبيق العقوبات البديلة في الأردن جاء بوصفه استجابة مباشرة لرؤية إصلاحية شاملة قادها جلالة الملك عبد الله الثاني، وتجلّت بوضوح في الورقة النقاشية السادسة الصادرة عام 2016، والتي أرست مبدأ سيادة القانون باعتباره الأساس الصلب للدولة المدنية الحديثة.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن تلك التوجيهات الملكية شكّلت الإطار المرجعي الذي انطلقت منه الحكومة والسلطة القضائية نحو تبنّي نماذج عقابية بديلة للعقوبات السالبة للحرية، بهدف تقليل الآثار الاجتماعية والاقتصادية والنفسية المترتبة على السجن، وتسريع إجراءات التقاضي، وتحقيق عدالة أكثر إنصافًا وفعالية، خصوصًا في قضايا الجنح والمخالفات البسيطة.
وبيّن الخزاعي أن الأردن بدأ التطبيق العملي للعقوبات البديلة عام 2018، ليغدو ثاني دولة عربية بعد مملكة البحرين تعتمد هذا النهج الإصلاحي، من خلال ثلاثة مسارات رئيسية مترابطة، هي: السوار الإلكتروني، وخدمة المجتمع المحلي، والبرامج التأهيلية والإصلاحية، لافتًا إلى أن هذه المسارات تخضع لإشراف مؤسسي دقيق يضمن تحقيق الغاية العقابية دون المساس بالكرامة الإنسانية.
ونوّه إلى أن التجربة الأردنية أثبتت، على مدار ثمانية أعوام، نجاحًا لافتًا، حيث جرى تنفيذ (14,116) حالة عقوبات بديلة، وهي أرقام تعكس ليس فقط توسّع نطاق التطبيق، وإنما ترسّخ القناعة القضائية بجدوى هذا المسار، مستطردًا أن هذا النجاح يُعزى إلى الجهود التكاملية التي بذلتها وزارة العدل، بالتنسيق مع الجهات المنفذة للعقوبات غير السالبة للحرية، ضمن منظومة عمل تشاركية قائمة على الحوكمة والمتابعة والتقييم.
ولفت الخزاعي إلى أنه منذ مطلع عام 2025 وحتى نهاية شهر تشرين الأول، تم تنفيذ (2,911) حالة عقوبات بديلة، وهو مؤشر واضح على الانتقال من مرحلة التجربة إلى مرحلة التمكين المؤسسي، بما يعكس ثقة متزايدة من القضاء والمجتمع بهذا النموذج الإصلاحي.
وذكر أن العقوبات البديلة لا تُطبّق على مرتكبي الجرائم الجسيمة أو ذوي الخطورة الإجرامية العالية، وإنما تستهدف في جوهرها فئات ارتكبت جنحًا بسيطة، مثل بعض حوادث السير أو المخالفات غير المقصودة، التي قد تصدر عن طلبة جامعات أو أفراد ليست لديهم سوابق إجرامية، مشددًا على أن الزجّ بهؤلاء في مراكز الإصلاح والتأهيل قد يفضي إلى نتائج عكسية، ويكرّس الوصم الاجتماعي، ويُضعف فرص إعادة الاندماج السليم في المجتمع.
وأوضح أن من أبرز المزايا الجوهرية للعقوبات غير السالبة للحرية أنها تُبقي المحكوم عليه ضمن نسيجه الأسري والاجتماعي، وتمكّنه من الاستمرار في عمله أو دراسته، والحفاظ على استقراره الاقتصادي، فضلًا عن تجنيبه الاحتكاك المباشر مع نزلاء خطرين، وما يترتب على ذلك من آثار نفسية وسلوكية قد تكون مدمّرة على المدى البعيد.
وتابع الخزاعي أن البُعد الأهم في العقوبات البديلة يتمثل في بعدها الإصلاحي التنموي، إذ تُنفّذ من خلال مؤسسات خدمية عامة، مثل المستشفيات والبلديات والوزارات، بما يتيح للمحكوم عليه الانخراط في خدمة المجتمع، والتعرّف عن قرب على احتياجاته، وتحويل العقوبة من إجراء عقابي صرف إلى تجربة تعليمية وتوعوية ذات أثر مستدام.
وقال إن العقوبات البديلة تمثل اليوم أحد أهم أدوات العدالة الحديثة في الأردن، لما تحققه من توازن دقيق بين حماية المجتمع، وصون كرامة الإنسان، وتقليل الاكتظاظ في مراكز الإصلاح والتأهيل، وتعزيز فرص الإصلاح الحقيقي، بما ينسجم مع فلسفة الدولة الأردنية القائمة على سيادة القانون والعدالة الإصلاحية لا العقابية فقط.

