رسائل إيران من الكشف عن "المدن الصاروخية"... العتوم يوضح لـ"أخبار الأردن"

{title}
أخبار الأردن -

قال مدير برنامج الدراسات الإيرانية في مركز الدراسات الإقليمية الأستاذ الدكتور نبيل العتوم إن الكشف عن "المدن الصاروخية" الإيرانية، المحصنة تحت الأرض، شكّل تطورًا لافتًا في خطاب القوة الذي تعتمده طهران، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي أو الدولي.

وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن القيادات العسكرية الإيرانية، عمدت في مناسبات متفرقة، إلى تنظيم زيارات رسمية إلى هذه المنشآت، تخللتها تصريحات إعلامية حملت رسائل متعددة الأبعاد، تعكس مزيجًا من الاستعراض الاستراتيجي والتوظيف السياسي، في محاولة لتعزيز موقع إيران ضمن المشهد الجيوسياسي المتغير.

وبيّن العتوم أن هذه المدن الصاروخية، التي تم إنشاؤها في مواقع جغرافية سرية، تمتاز بكونها منشآت تحت أرضية محصنة، غالبًا ما تقع داخل سلاسل جبلية أو في أنفاق عميقة، بحيث توفر حماية فائقة لترسانتها الباليستية من الهجمات الجوية وعمليات القصف المركز، إذ يهدف هذا النمط من التحصين العسكري إلى تحقيق عنصرَي المناورة والاستدامة العملياتية، ما يمنح القوات الإيرانية القدرة على مواصلة العمليات الهجومية حتى في ظل تعرضها لضربات معادية، كما أن هذه المنشآت، وفقًا لما أُعلن عنه، تتيح إمكانية الإطلاق من مواقع متفرقة، وهو ما يُصعّب مهمة تعطيل القدرة الصاروخية الإيرانية عبر ضربة استباقية واحدة.

وذكر أنه يُمكن تفكيك أبعاد هذا الإعلان وفق عدة مستويات، يتصدرها البُعد الردعي الذي يُمثل جوهر الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية، فمن خلال هذا الكشف، تسعى طهران إلى إرسال رسالة واضحة إلى كلٍّ من واشنطن وتل أبيب، وكذلك إلى العواصم الإقليمية المتحالفة معهما، مفادها أن امتلاكها لهذه القواعد الصاروخية يرفع من تكلفة أي عمل عسكري ضدها، ويجعل من خيار المواجهة المباشرة محفوفًا بتعقيدات استراتيجية قد تُخرج الصراع عن نطاق السيطرة.

وفي السياق ذاته، يُمثل هذا الإعلان جزءًا من محاولات طهران تعزيز موقعها التفاوضي، سواء فيما يتعلق بالملف النووي أو بتوازنات القوى في الإقليم، حيث تدرك القيادة الإيرانية أن امتلاك بنية صاروخية متقدمة يُشكل ورقة ضغط يُمكن توظيفها ضمن أي ترتيبات مستقبلية مع القوى الكبرى، وفقًا لما صرّح به العتوم لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية.

ولفت الانتباه إلى أنه لا يمكن فهم هذا الكشف العسكري بمعزل عن السياق الداخلي الإيراني، حيث يعاني النظام من ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة، فمن جهة، يواجه الحرس الثوري الإيراني تحديات غير مسبوقة، خاصة بعد تعرضه لاختراقات أمنية وعمليات استهداف نوعية استهدفت قياداته ومنشآته الحيوية، ومن جهة أخرى، تعاني إيران من توترات داخلية ناجمة عن تفاقم الأزمات الاقتصادية وتراجع ثقة الشارع في قدرة النظام على معالجة التحديات المعيشية.
واستطرد العتوم قائلًا إن الإعلان عن هذه المدن الصاروخية يحمل بُعدًا معنويًا داخليًا، إذ يهدف إلى إعادة ترسيخ صورة القوة لدى الرأي العام، وتعزيز مكانة الحرس الثوري باعتباره الركيزة الأساسية لحفظ استقرار النظام، كما أن هذه الاستراتيجية تأتي في سياق أوسع يرتبط بمحاولات النظام إرسال رسالة ردع إلى المعارضة الداخلية، مفادها أن الدولة لا تزال تمتلك أدوات الهيمنة والسيطرة، وأنها قادرة على حماية سيادتها رغم الضغوط المتعددة التي تتعرض لها.

وتابع أن استعراض القوة الذي تمارسه طهران من خلال الكشف عن منشآتها العسكرية المتطورة، يتبعه تساؤلات مشروعة حول مدى فاعلية هذه القدرات عند اختبارها في مواجهة مباشرة مع خصوم أكثر تقدمًا من الناحية التكنولوجية، فالتجربة العملية تُشير إلى أن إيران، رغم امتلاكها لترسانة صاروخية ضخمة، لم تُظهر حتى الآن قدرة على تنفيذ عمليات هجومية استراتيجية تُحدث تأثيرًا حقيقيًا في موازين القوى.

وأشار العتوم إلى أن أوضح مثال على ذلك ما حدث في الرد الإيراني على الضربة الإسرائيلية التي استهدفتها في 26 أكتوبر، حيث أثارت عملية "الوعد الصادق 1 و2" جدلًا واسعًا حول مدى جدية التهديد الإيراني، إذ اعتبرها الكثيرون مجرد استعراض محدود، لم يُلحق أضرارًا تُذكر بالجانب الإسرائيلي. كما أن إيران، رغم استخدامها لصواريخها الباليستية في العراق وسوريا، لم تلجأ إلى استهداف منشآت استراتيجية داخل إسرائيل، وهو ما يعزز الشكوك حول مدى استعدادها الفعلي لخوض مواجهة شاملة، خاصة في ظل التفوق الجوي والتكنولوجي الإسرائيلي.

وقال العتوم إن هناك مؤشرات عدة قد تدل على أن إيران تتخذ إجراءات استباقية تحسبًا لتصعيد عسكري محتمل، فقد رُصدت تحركات أمنية مكثفة شملت نقل قيادات بارزة في الحرس الثوري إلى مواقع أكثر تحصينًا، إلى جانب تغيير القيادات العسكرية المسؤولة عن تأمين المدن الكبرى مثل أصفهان وخراسان، وهي خطوات تُشير إلى استعداد طهران لاحتمال تعرضها لعمل عسكري مباغت.

وأضاف أن الكشف عن هذه المنشآت الصاروخية قد يكون مرتبطًا بمحاولة طهران التأثير في مسار المفاوضات النووية، عبر إظهار أن امتلاكها لبنية تحتية صاروخية متطورة يُعقد أي محاولات لإجبارها على تقديم تنازلات، سواء فيما يتعلق ببرنامجها النووي أو بسياساتها الإقليمية.

تابعونا على جوجل نيوز
تصميم و تطوير