طهران وتل أبيب... مهمة واحدة لتقسيم سورية

قال الكاتب والمحلل السياسي الدكتور محمد الزغول إن إيران - ومنذ اللحظة التي تهاوى فيها نظام بشار الأسد - وجدت نفسها أمام نكسة استراتيجية غير مسبوقة، هددت مشروعها الإقليمي، الذي طالما استند إلى "محور المقاومة" كركيزة أساسية في منظومة الردع الإيرانية.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن إسقاط النظام السوري لم يكن مجرد سقوط لحليف استراتيجي، بقدر ما كان ضربة قاصمة لواحد من أهم أعمدة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، ومن هذا المنطلق، لم يكن أمام طهران سوى السعي إلى إعادة تموضعها داخل سورية، وإن كان ذلك عبر طرق غير تقليدية، بعدما أُجبرت على الانسحاب من الأبواب السياسية والعسكرية الرسمية.
وبيّن الزغول أن المساعي الإيرانية لم ترتكز إلى استعادة النفوذ فحسب، وانطلقت من رؤية أكثر براغماتية، هدفت إلى تحقيق ما يمكن تسميته بـ"المكاسب السلبية"، التي لا تنطوي على فرض سيطرة مباشرة على المشهد السوري الجديد، بقدر ما تتمحور حول تعطيل أي مشروع إقليمي قد يفضي إلى استبدال النفوذ الإيراني ببدائل أخرى، فمنذ اليوم الأول لسقوط الأسد، عملت إيران على إعادة الانتشار داخل العمق السوري، مستندةً إلى شبكة من الوكلاء المحليين والإقليميين، لا بهدف خلق سلطة بديلة، وإنما لضمان بقاء سورية في حالة من الفوضى، تحول دون إمكانية تعافيها كدولة مستقرة تمتلك زمام قرارها السيادي.
وذكر أن المشهد الإيراني في سورية ما بعد الأسد يتبدى باعتباره امتدادًا لصراع جيوسياسي أكثر تعقيدًا، يتداخل فيه العنصر الدولي، الذي بات يلعب دورًا حاسمًا في تحديد طبيعة التوازنات الجديدة، فالاستراتيجية الإيرانية، وإن كانت قائمة على استغلال الفراغ السياسي والعسكري الذي خلّفه انهيار النظام السابق، إلا أنها تتقاطع – بشكل غير معلن – مع الأهداف الإسرائيلية، التي تتلاقى مع طهران في نقطة جوهرية، تتمثل في ضرورة إبقاء سورية في حالة عدم استقرار دائم.
ونوّه الزغول إلى أن إيران، وإسرائيل على حد سواء، وإن كانت علاقتهما تتسم بالعداء الصريح، إلا أن كليهما يدرك أن استقرار سورية سيقلب موازين القوى في المنطقة، ويؤدي إلى بروز لاعب إقليمي جديد قد يغيّر من طبيعة المعادلات الراهنة، ولذلك، بينما تعمل إيران على منع صعود بديل تركي قوي، يهدد بتقليص مساحة نفوذها، تجد إسرائيل نفسها في مواجهة سيناريو مشابه، تخشى فيه أن يؤدي استقرار سورية إلى إعادة ترتيب أوراق المنطقة على نحو لا يخدم مصالحها الأمنية والاستراتيجية.
ولفت الانتباه إلى أن أي مقاربة للملف السوري لا يمكن أن تقتصر على معالجة التدخل الإيراني فحسب، فهي تستوجب أيضًا النظر في الأدوار المتشابكة التي تؤديها القوى الإقليمية الأخرى، والتي تسعى كل منها إلى هندسة المشهد السوري وفقًا لحساباتها الخاصة، وهذا ما يجعل أيّ حلّ دائم للأزمة السورية مرهونًا بمدى القدرة على تحجيم التدخلات الخارجية، سواء الإيرانية أو الإسرائيلية، وإعادة القرار إلى الداخل السوري، بما يتيح لأبناء سورية فرصة صياغة توافق وطني حقيقي، يضمن الاستقرار السياسي والاجتماعي في المدى المنظور.
غير أن هذا السيناريو، وإن كان يمثل الخيار الأكثر منطقية للخروج من الأزمة، إلا أنه يواجه عقبات كبرى، تتمثل في طبيعة التوازنات الإقليمية والدولية التي تحكم المشهد السوري، والتي تجعل من أي محاولة لاستعادة السيادة الوطنية الكاملة عملية معقدة، محفوفة بالتحديات والمخاطر، فإيران، التي تدرك أن خسارتها للساحة السورية تعني تراجعًا استراتيجيًا يصعب تعويضه، لن تتخلى عن نفوذها بسهولة، وستظل تحاول – عبر أدواتها المختلفة – التمسك بأي موطئ قدم يضمن لها استمرار حضورها في المعادلة السورية، وفقًا لما صرّح به الزغول لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية.
واستطرد قائلًا إنه لا يبدو على إسرائيل الاستعداد للقبول بأي صيغة يمكن أن تؤدي إلى إعادة تموضع النظام السوري الجديد في موقع استراتيجي متقدم، وهو ما يعني أن الصراع على سورية سيظل مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين استمرار الفوضى كخيار مفضل لطهران وتل أبيب، وبين إعادة رسم خرائط النفوذ وفقًا لمعادلات جديدة، قد تفرضها متغيرات سياسية وعسكرية لم تتضح معالمها بعد.
وتابع أن استشراف مستقبل الوجود الإيراني في سورية ما بعد الأسد يستوجب النظر في مجموعة من السيناريوهات المحتملة، التي تتوزع بين قدرة إيران على ترسيخ نفوذها عبر وكلائها، وبين إمكانية تقليص هذا النفوذ بفعل الضغوط الإقليمية والدولية، أو حتى الوصول إلى مرحلة التصعيد المباشر مع القوى الأخرى المتداخلة في الملف السوري، وعلى رأسها تركيا وإسرائيل، وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، فإن أيّ تطور في المشهد السوري سيبقى رهينًا لمعادلة المصالح المتشابكة بين مختلف الفاعلين، ما يجعل من الحلول التقليدية غير كافية لفهم مآلات هذا الصراع طويل الأمد.
وأشار الزغول إلى إن سورية، التي وجدت نفسها ساحة مفتوحة لتجاذبات القوى الإقليمية والدولية، ستظل حاضرة في صميم الاستراتيجيات الكبرى للفاعلين الدوليين، ما لم تنجح في إعادة بناء نموذج سياسي قادر على فرض سيادتها بعيدًا عن تأثيرات الخارج، غير أن تحقيق ذلك يبدو – في ظل الظروف الراهنة – أقرب إلى الطموح النظري، منه إلى الواقع الفعلي، وهو ما يفرض تحديات كبرى على أيّ محاولة لتصور مستقبل سورية خارج معادلة الصراعات الإقليمية والدولية، التي أضحت جزءًا لا يتجزأ من بنيتها السياسية والأمنية.