غزة أمام 3 سيناريوهات... وهذا ما تروج له إسرائيل بالخفاء

{title}
أخبار الأردن -

 

قال الكاتب والباحث في الصحافة العبرية الدكتور حيدر البستنجي إن المقترحات الإسرائيلية الأخيرة، والمتمثلة في إنشاء إدارة حكومية تُعنى بتنسيق عمليات "الخروج الطوعي" لسكان غزة، تكشف عن مرحلة متقدمة في استراتيجية الاحتلال لإحداث تغيير ديموغرافي جذري، يرتكز على تفريغ القطاع من سكانه عبر مزيج من الضغوط العسكرية والاقتصادية والنفسية.

وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن هذا التوجه، الذي يُقدَّم إعلاميًا كإجراء إداري تنظيمي، لا يعدو كونه إعادة إنتاج لنموذج التهجير القسري بأساليب أكثر تعقيدًا، تحاول إضفاء مشروعية سياسية وإنسانية زائفة عليه، بما يندرج ضمن ما يُعرف بسياسات "الهندسة الديموغرافية"، التي لطالما وظفها الاستعمار الاستيطاني لإعادة تشكيل الخارطة السكانية بما يخدم أهدافه التوسعية.

من الاستنزاف إلى الاقتلاع

وبيّن البستنجي أن ما يجري اليوم أكثر من مجرد تكتيك ظرفي، فهو تتويج لمسار طويل بدأ منذ عقود، ويتسارع الآن تحت غطاء العدوان العسكري المتواصل، فالاحتلال، ومنذ بداية التصعيد الأخير، عمل على خلق بيئة طاردة عبر تدمير البنى التحتية المدنية، واستهداف المرافق الحيوية، وفرض سياسة العقاب الجماعي التي تشمل التجويع والحصار ومنع الإمدادات الإنسانية، وصولًا إلى استخدام القوة المفرطة في استهداف المناطق السكنية، مشيرًا إلى أن هذه الإجراءات مدروسة بعناية لتشكيل ضغط نفسي، واجتماعي، واقتصادي هائل يدفع السكان نحو البحث عن "مخارج"، وهو ما يُراد تسويقه دوليًا على أنه "هجرة طوعية"، في حين أنه استجابة اضطرارية لظروف قسرية صُنعت بشكل ممنهج.

وأشار إلى أن الاقتراح الإسرائيلي القاضي بإنشاء إدارة متخصصة داخل وزارة الدفاع، تكون مهمتها الأساسية تنسيق مغادرة الفلسطينيين إلى "دول ثالثة"، يأتي بالتعاون مع أجهزة أمنية وعسكرية تشمل جيش الاحتلال، والشاباك، والموساد، ومجلس الأمن القومي، إلى جانب الوزارات المعنية مثل الخارجية والمالية والمواصلات، إذ إن هذا الإجراء ليس تفصيلًا إداريًا، بقدر ما هو جزء من مخطط أوسع يستهدف إعادة رسم الجغرافيا السكانية في المنطقة، وتحويل غزة إلى كيان بلا هوية ديموغرافية متماسكة، بما يسهل على الاحتلال فرض سيطرته المطلقة عليها، سواء عبر الاحتلال المباشر أو عبر إقامة "مناطق عازلة" تحت هيمنة أمنية إسرائيلية كاملة.

ولفت البستنجي الانتباه إلى أن هناك مزاعم أمنية إسرائيلية متعلقة باستطلاعات رأي أُجريت بين سكان القطاع تشير إلى أن نحو 50% منهم يرغبون في المغادرة، بينما ترتفع هذه النسبة إلى 90% بين الفئات الأكاديمية، موضحًا أن هذه الأرقام، التي لا يمكن التحقق من صحتها، تبدو محاولة لتبرير المشروع أمام الرأي العام الدولي، وإظهاره كاستجابة لرغبة السكان، وليس كجزء من سياسة ممنهجة للتهجير القسري.

ونبّه إلى أن أي قراءة موضوعية للواقع تكشف زيف هذه الادعاءات، فالشعب الفلسطيني، رغم كل ما يتعرض له، أثبت عبر التاريخ رفضه التهجير، وواجه محاولات الاقتلاع بتمسكه بجذوره، كما أن مقاومته المستمرة للاحتلال، في مختلف مراحله، تؤكد أن خيار المغادرة لم يكن يومًا خيارًا ذاتيًا، بل دائمًا ما كان نتيجة ضغوط قاهرة فرضتها سياسات الاحتلال.

غزة كنموذج أولي لعملية أوسع

واستطرد البستنجي قائلًا إنه من الخطأ النظر إلى هذا المخطط بمعزل عن المشهد العام، فهو لا يقتصر على غزة فقط، ذلك أنه يشكل نموذجًا أوليًا لسياسات مستقبلية تستهدف الضفة الغربية أيضًا، فالاحتلال، الذي يسعى إلى تقليص الوجود الفلسطيني إلى أدنى حد ممكن، يدرك أن تحقيق هذه الأجندة لا يمكن أن يتم دفعة واحدة، وإنما عبر مراحل تدريجية تبدأ بقطاع غزة، كونه الأكثر تعرضًا للحصار والدمار، ثم تمتد إلى الضفة الغربية من خلال تصعيد الاستيطان، وتكريس نظام الفصل العنصري، وفرض مزيد من القيود التي تجعل الحياة الفلسطينية في تلك المناطق شبه مستحيلة.

وتابع أن الربط بين ملف غزة وملفات إقليمية أخرى، مثل الأزمة في اليمن والمفاوضات النووية مع إيران، يعكس طبيعة الصفقات السياسية التي يجري العمل عليها خلف الكواليس، حيث تسعى القوى الكبرى إلى إعادة هندسة المنطقة وفق مصالحها الاستراتيجية، دون اكتراث بالحقوق التاريخية للشعوب التي ستدفع الثمن.

السيناريوهات المحتملة: ما بين المقاومة والمساومة الدولية

وخلص البستنجي إلى أننا أمام عدة سيناريوهات تبدأ باستمرار المقاومة الفلسطينية للمشروع، حيث يدرك الفلسطينيون أن مغادرة أرضهم تعني تنفيذ المخطط الإسرائيلي بأيديهم، ولذلك من المتوقع أن تواجه هذه السياسات رفضًا شعبيًا واسعًا، يتجلى في استمرار التمسك بالأرض رغم الكوارث الإنسانية، وربما تصاعد عمليات المقاومة ضد الاحتلال لإفشال هذا المخطط.

فيما يتعلق السيناريو الثاني بموقف القوى الإقليمية والدولي، فرغم مراهنة الاحتلال على صمت العالم وانشغاله بملفات أخرى، إلا أن تنفيذ عملية تهجير علنية بهذا الحجم قد يحرج بعض الدول، مما قد يدفعها إلى التدخل سياسيًا، خاصة إذا تصاعد الضغط الشعبي والإعلامي.

بينما يرتبط السيناريو الثالث بالتكيف المرحلي للاحتلال، فإذا واجه المشروع مقاومة شديدة، قد يلجأ الاحتلال إلى تعديله أو تنفيذه بأساليب أكثر بطئًا، مثل توسيع سياسات الحصار، وعرقلة إعادة الإعمار، وخلق أزمات متواصلة، لدفع السكان إلى مغادرة القطاع على فترات متقطعة، بدلًا من تنفيذ عملية تهجير واسعة في وقت قصير.

نكبة جديدة؟

وأشار البستنجي إلى أن ما يحدث اليوم في غزة يعيد إلى الأذهان السيناريوهات التي سبقت نكبة 1948، حين تم تفريغ مئات القرى الفلسطينية تحت وطأة المجازر والحصار، ليجد الفلسطينيون أنفسهم بين خيارين: الموت أو اللجوء، مضيفًا أن الفارق الوحيد اليوم أن الاحتلال يحاول تغليف مشروعه بمصطلحات جديدة مثل "الهجرة الطوعية"، بينما يبقى الجوهر واحدًا: اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، وإعادة رسم الخريطة الديموغرافية بما يخدم المشروع الصهيوني.

واستطرد قائلًا إن الشعوب التي تتعرض لمشاريع الإبادة والاقتلاع لا تستسلم بسهولة، وما بين الحسابات العسكرية والسياسية، يبقى الثابت الوحيد أن غزة، رغم جراحها، ستظل عصية على الاندثار، لأن من يتشبث بأرضه في أحلك الظروف لن يفرط بها طواعية، مهما اشتدت المحن.

تابعونا على جوجل نيوز
تصميم و تطوير