حلول عملية لمشكلة المياه في الأردن

قال وزير المياه الأسبق الدكتور حازم الناصر إن الأردن يمر بواحدة من أكثر الأزمات المائية تعقيدًا واستعصاءً على الحلول التقليدية، وهي أزمة مرشحة للاستمرار لعقود قادمة، ما لم تُتخذ تدابير جذرية مبنية على رؤية استراتيجية متكاملة.
جاء ذلك في سياق إجابته على سؤالٍ وجهته صحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية خلال ندوة متخصصة بعنوان “الماء ومستقبل الأردن: حلول ممكنة لأزمة معقدة”.
المشهد المائي الراهن: أرقام صادمة وانحرافات حرجة
وأوضح أن الصورة التي تتبدى أمامنا تُنذر بانحراف خطير عن النسب الطبيعية والمعدلات المقبولة، إذ إن أولى هذه المؤشرات تتجسد في معدل الهطول المطري، الذي لم يتجاوز حتى اللحظة سوى 15% من المعدل العام، في حين أن المفترض أن يكون قد بلغ 65% في مثل هذا الوقت من العام، وهذه الفجوة الهائلة، التي تبلغ 50%، تعكس انحسارًا بنيويًا في المنظومة المناخية التي كان الأردن يعتمد عليها تاريخيًا في تزويده بالمياه.
أما على صعيد السدود، فإن نسبة التخزين الحالية تقف عند حدود 22%، أي ما يعادل 70 مليون متر مكعب، بينما يُفترض، وفق المعايير الهيدرولوجية الموسمية، أن تكون النسبة قد تخطت 40%، أي ما يعادل 140 مليون متر مكعب، وهذه الأرقام تُنبئ بأن الأردن مقبل على عام قد يُسجل كواحد من أكثر الأعوام جفافًا منذ عشرينيات القرن الماضي، وربما يتجاوز في خطورته سنوات الجفاف الحاد التي شهدتها المملكة، مثل عامي 1959-1960 و1998-1999، حينما لم يتعدَّ الهطول المطري 60% من المعدل السنوي العام، وفقًا لما صرّح به الناصر لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية.
ونوّه إلى أن المعطيات السابقة لا تترك مجالًا للتردد أو التأجيل، بل تستوجب استجابة حاسمة تتجلى في تبني خطة طوارئ مائية يتم إعدادها وتنفيذها على وجه السرعة، غير أن التعاطي مع هذا الملف يجب أن يكون محكومًا بمقاربات متعددة الأبعاد، تجمع بين التدخلات الآنية والإصلاحات الاستراتيجية بعيدة المدى، وفي هذا السياق، يمكن تحديد محورين رئيسيين لهذه الخطة:
أولًا: ضبط الاستهلاك وإدارة الطلب على المياه
- ترشيد الاستهلاك المائي على المستوى الوطني عبر تبني سياسات صارمة تُلزم الأفراد والمؤسسات بتخفيض استهلاكهم وفق معايير مدروسة تتناسب مع مستوى الأزمة.
- تفعيل أدوات التوعية والإرشاد المائي، بحيث يُدرك المواطن الأردني أن شحّ المياه لم يعد سيناريو مؤقتًا، بل واقعًا طويل الأمد يفرض تغييرًا جذريًا في السلوكيات الاستهلاكية.
- إعادة إحياء حملة إحكام السيطرة على الموارد المائية التي أُطلقت عام 2018، ولم يتم استكمالها، رغم دورها المحوري في تقليص الفاقد المائي ومكافحة التعديات على الشبكات والمنشآت المائية.
ثانيًا: تعزيز منظومة التزويد المائي وتأمين مصادر بديلة
- الإسراع في تنفيذ المشاريع المائية الحيوية، التي تأخرت على الرغم من ارتباطها بمخصصات مالية ضخمة تُقدَّر بمليارات الدولارات، ما أدى إلى تعطل قدرة المملكة على تعويض النقص الحاد في مواردها المائية.
- إعادة تأهيل وتشغيل أكثر من 110 آبار متوقفة، والتي يمكن أن تضيف كميات ملحوظة إلى إجمالي التزويد المائي، خصوصًا وأن العديد منها يحتاج فقط إلى صيانة بسيطة أو تصاريح تشغيل من الجهات المختصة.
- تفعيل مشاريع إعادة استخدام المياه المعالجة، إذ يتم حاليًا التخلص من 20 مليون متر مكعب سنويًا من المياه المعالجة في شمال المملكة دون الاستفادة منها، رغم أن مشروعًا كان قد وُضع لتنقيتها بشكل إضافي لاستخدامها في الريّ الزراعي في الأغوار الشمالية.
القطاع الزراعي وإعادة هندسة الأولويات المائية
ولفت الناصر الانتباه إلى أنه لا يمكن الحديث عن أزمة المياه في الأردن بمعزل عن القطاع الزراعي، الذي يستهلك حصة كبيرة من الموارد المائية المتاحة، وفي ظل التوقعات بأن تشهد الموسم الزراعي المقبل تخفيضًا في المخصصات المائية بأكثر من 60%، فإن الحاجة تفرض البدء بحوار استباقي مع المزارعين حول كيفية إدارة الموسم الزراعي في ضوء الواقع المائي المتدهور.
وأكد ضرورة إعادة النظر في نوعية المزروعات، بحيث يتم التخلي التدريجي عن الزراعات كثيفة الاستهلاك للمياه، واستبدالها بمحاصيل أقل استنزافًا للموارد، غير أن هذا التحول لا يمكن فرضه بصورة فجائية، بل يحتاج إلى تخطيط مدروس يبدأ قبل مرحلة البذار، حتى لا يجد المزارعون أنفسهم أمام قرارات مفاجئة تُربك خططهم الإنتاجية.
المعادلة المائية في الأردن: محددات قاهرة تستلزم حلولًا استثنائية
واستطرد الناصر قائلًا إنه لا يخفى على أحد تصنيف الأردن ضمن الدول الأكثر فقرًا مائيًا على مستوى العالم، حيث بلغت حصة الفرد السنوية عام 2024 نحو 65 مترًا مكعبًا، وهي نسبة متدنية للغاية، وأقل بكثير من خط الفقر المائي المطلق، الذي يُقدَّر عالميًا عند 500 متر مكعب للفرد سنويًا.
ورغم أن المملكة تستقبل نظريًا أكثر من 8 مليارات متر مكعب من الأمطار سنويًا، إلا أن معظم هذه المياه تتسرب إلى المناطق الصحراوية كـحماد، وسرحان، والجفر، والديسي، حيث لا يمكن الاستفادة منها بسبب الطبيعة الجيولوجية لهذه المناطق، إضافة إلى معدلات التبخر المرتفعة في مناطق الصدع الانهدامي.
وتابع أن الحصاد المائي الصحراوي، رغم أهميته، يبقى مجرد حل تكميلي لا يغطي حتى الاحتياجات الأساسية للمواشي والمراعي، ما يعكس تعقيد المشهد المائي وضرورة البحث عن حلول أكثر استدامة.
ما نحتاج إليه
ونوّه الناصر إلى أن الأزمة المائية التي تعصف بالأردن أكثر من مجرد تحدٍّ مرحلي، إذ إنها واقع وجودي يهدد الأمن المائي، والغذائي، والاجتماعي للمملكة، ومن هذا المنطلق، لا بد من تبني مقاربة استراتيجية متكاملة تتجاوز الحلول التقليدية، وتستند إلى ثلاثة محاور رئيسية:
1. تغيير جذري في أنماط الاستهلاك المجتمعي والإداري للمياه، عبر سياسات إلزامية واضحة.
2. إصلاح هيكلي في منظومة إدارة الموارد المائية، واستثمار تقنيات متقدمة في إعادة التدوير والتحلية.
3. تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتحفيز الابتكار في استراتيجيات إدارة المياه والطاقة.
واختتم الناصر حديثه بالقول إن المعادلة لم تعد تحتمل التأجيل، ولا بد من مواجهة الأزمة بمنظور شامل يوازن بين مقتضيات الحاضر وضرورات المستقبل، لضمان أمن مائي مستدام للأجيال القادمة.