العنف المجتمعي ما بين إخفاق الأسرة وغياب الموجه الأخلاقي
قال أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي إن العنف المجتمعي الذي بات يتصاعد بشكل مقلق في المدارس، الجامعات، والأماكن العامة، ليس سوى انعكاس لفجوات عميقة في المنظومة التربوية والاجتماعية.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن هذا الواقع يكشف قصورًا حادًا في أدوار مؤسسات التنشئة الاجتماعية غير الرسمية، التي تخلت، تحت وطأة الإهمال والتجاهل، عن مهمتها في التوجيه والمتابعة والإشراف على أفراد الأسرة، ما أدى إلى تفاقم حالة التصدع القيمي.
وبيّن الخزاعي أن الأزمة تبدأ من الأسرة، التي كان يُفترض أن تكون الحاضنة الأولى للقيم والمبادئ، ولكن مع غياب التربية القائمة على الحب، التعاون، والاحترام، غدت العلاقات داخل الأسرة هشّة، وأصبحت التنشئة مبنية على تلبية الحاجات المادية دون الاهتمام بترسيخ معايير أخلاقية تُسهم في بناء شخصية سوية، متسائلًا كيف لمجتمع يفتقر فيه الأفراد إلى أسس التسامح والصبر أن يواجه التحديات المتزايدة للعصر؟
ونوّه إلى أنه لا يمكن إغفال غياب القدوة الإيجابية الذي عزز هذا التدهور، فبينما تراجعت النماذج التي يُحتذى بها في السلوك والتصرف، بات الشباب يتلقون قيمهم من مصادر عشوائية لا تمت بصلة إلى النسيج الأخلاقي والاجتماعي المتماسك، وهذا الغياب أفرز أجيالًا فاقدة للمرجعية، تتخبط بين الضغوط الاجتماعية وتحديات العصر الرقمي، ما أدى إلى تصاعد مظاهر العنف والانفلات.
على الجانب الآخر، أكد الخزاعي أن المدن تشهد حالة من الانغلاق الاجتماعي، فقد أصبحت العلاقات بين الجيران تعكس انعزالًا واضحًا، ولم يعد التفاعل الاجتماعي مكونًا رئيسيًا في الحياة اليومية، وفي هذه الحالة، التي يختصرها المثل الشائع: "صباح الخير يا جاري، أنت بحالك وأنا بحالي"، خلقت فجوة عاطفية وثقافية بين الأفراد، أسهمت في تآكل روح التعاون والمبادرة المجتمعية.
ووسط كل هذا، نجد الأسر غارقة في سباق محموم لتلبية الاحتياجات المادية، متجاهلة تمامًا قضايا التربية العميقة التي تحتاج إلى صبر وتوجيه، وهذا الانشغال، وإن كان يبرره ضغط الحياة اليومية، حرم الأجيال الناشئة من تلقّي الأسس القيمية التي تُحصّنهم ضد مظاهر الانحراف والعنف، وفقًا لما صرّح به لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية.
وأشار إلى أن معالجة هذا الواقع تتطلب إعادة النظر في منظومة القيم والتربية المجتمعية بشكل شمولي، فالإصلاح لن يتحقق إلا إذا استُعيدت أدوار الأسرة كمحور رئيسي في البناء القيمي، وأُعيد إحياء القدوة والنماذج الإيجابية التي تعطي للأجيال بوصلة أخلاقية، مع تشجيع المبادرات التي تحفّز التضامن الاجتماعي، خاصة في المدن التي بدأت تفقد هويتها المجتمعية لصالح نمط الحياة الفردية.







