اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العثامنة يكتب : الأردن... حين يصبح الصمت خطرا على الدولة

{title}
أخبار الأردن -

مالك العثامنة

ما الذي نحميه حين ندافع عن مؤسسات الدولة بمنع السؤال عن أدائها؟ هل نحمي الدولة أم المسؤول الذي تصادف أنه يدير المؤسسة "المعنية"؟ وأي هيبة تلك التي تتضرر من سؤال مشروع عن خطأ محتمل، ولا تتضرر من الخطأ نفسه؟ السؤال نفسه موجع بعد مجزرة كنيسة حمود في الكرك، وأكثر وجعا بعد الاعتداء الإرهابي أمام السفارة السريلانكية في عمان واستشهاد العريف جواد السلايطة، لأن الدم الأردني الذي يستدعي الحزن والغضب يستحق أيضا مراجعة تتجاوز بيانات الإدانة والعبارات المحفوظة عن تماسك الجبهة الداخلية، إلى ما يجعل هذا التماسك حقيقة تحمي الناس.

ليست الجريمتان حادثتين منفصلتين لمجرد اختلاف المكان والضحايا، فالأولى استهدفت فضاء اجتماعيا ودينيا يفترض أن يكون آمنا للمواطنين، والثانية استهدفت رجال أمن يمثلون حماية ذلك الفضاء، وفي الحالتين امتد الاعتداء إلى علاقة الأردنيين بأماكنهم وببعضهم وبمؤسساتهم، دون أن يعني ذلك افتراض وجود ارتباط تنظيمي بين المنفذين، فالإرهاب لا ينتهي فعله عند قتل ضحاياه، بل يريد أن يترك الأحياء أسرى لرعب توقع الجريمة التالية، وأن ينجح في المهمة التي اشتق منها اسمه، وهي صناعة الرهبة، فحين تصبح تلبية دعوة إلى إكليل زواج في كنيسة مناسبة تستدعي الخوف بدل الفرح، وحين يجد رجل الأمن نفسه مضطرا إلى الارتياب من عابر يقترب منه ليسأله سؤالا بسيطا، يكون القاتل قد وسع مساحة جريمته إلى الحياة اليومية، وهذا يعيدني إلى عبارة أكررها دوما: الدولة هي أن لا يحدث ذلك كله.

وبالتأكيد، لا توجد دولة تستطيع ضمان منع كل جريمة، لكن الدولة التي أعنيها هي تلك التي لا يتحول فيها الخوف إلى قاعدة للحياة، ولا يصبح وقوع الجريمة نهاية السؤال عما سبقها، ففي الاعتداء الأخير أظهرت الاستجابة الأمنية كفاءة تستحق التقدير، لكنها لا تلغي السؤال عن إمكان الوقاية، خصوصا مع تقارير تحدثت عن إدانة سابقة للمعتدي في قضية إرهابية، وهي معلومات تحتاج إلى إيضاح رسمي، لكنها تفتح أسئلة مشروعة عن تقييم خطورته، وما جرى خلال محكوميته، والبرامج التي خضع لها، وآليات متابعته بعد الإفراج عنه ضمن القانون.

لقد صارت السجون تسمى مراكز "إصلاح وتأهيل"، وهي تسمية جميلة بالتأكيد، لكن جمالها لا يعفينا من السؤال عما أصلحناه، وعلى ماذا كان كل هذا التأهيل، فسنوات العقوبة تقاس بالتقويم، أما التحول في اعتقاد متطرف يرى القتل واجبا فيحتاج إلى مختصين وبرامج وتقييم ومتابعة، وليس في هذه الأسئلة انتقاص من شجاعة رجال الأمن، بل دفاع عن حقهم في أن لا تصبح أجسادهم وسيلة لتعويض خلل كان بالإمكان تداركه، إن ثبت وجوده، فالتمييز ضروري بين كفاءة المواجهة وإخفاق محتمل في الوقاية، والمراجعة ليست إدانة مسبقة، بل وسيلة لمعرفة الحقيقة.

حدثني صديق من زملاء الصحافة أنه عاتب وزيرا سابقا، وهو من المحترفين في الإعلام والكتابة السياسية، على ضعف حضوره أمام ضيف هاجم الأردن في إحدى الفضائيات، فكان جوابه أنه طلب المعلومات اللازمة قبل الظهور ولم يجدها عند أي جهة رسمية، ولم يدهشني ما قاله، لكنه أوجعني، فالرجل لم تعوزه الحجة ولا القدرة على الكلام، بل افتقد ما يفترض أن توفره مؤسسات تريد من الآخرين الدفاع عن مواقفها.

وفي هذه الحكاية الصغيرة شيء من مشكلتنا الكبيرة، فالمعلومة تضيع بين مرجعيات تتعدد وصلاحيات تتداخل، ومسؤول يخشى الكلام وآخر يحتكر المعرفة باعتبارها امتيازا شخصيا، ثم يخرج الجميع للشكوى من ضعف الرواية الأردنية، وكأن الرواية يمكن اختراعها في استوديو تلفزيوني أو تعويض غيابها بحماسة وطنية صاخبة، بينما الدولة قد تمتلك الحقيقة لكنها تعجز أحيانا عن تحويلها إلى معرفة متاحة، والأخطر أن الاعتراف بالخطأ يبدو في بعض المواقع هزيمة، مع أن هيبة الدولة لا تتضرر حين تصحح مؤسساتها أخطاءها، بل حين يصبح الخطأ محميا بالصمت.

وهنا تبرز مسؤولية الحكومة، لا بوصفها مؤسسة إضافية إلى جانب المؤسسات، بل صاحبة المسؤولية السياسية عن السياسات العامة، فمواجهة التطرف ليست مهمة أمنية تختصر بملاحقة المجرمين، وإنما سياسة تتقاطع فيها التربية والأوقاف والشباب والثقافة والإعلام، وتحتاج إلى حكومة تعرف ما تريد تغييره وكيف تقيس نتائجه. ونعم، إن الإصلاح التعليمي ضرورة كبيرة، لكنه مشوار طويل ينبغي أن يبدأ بلا مجاملات للتكفير والإقصاء، أما إحالة الأزمة كلها إلى المناهج فقد تكون الطريقة الأكثر راحة لتأجيل المسؤولية عشرين عاما أخرى.
والإعلام داخل هذا الفهم جزء من أمن المجتمع، والصحافة جزء أصيل منه، لكن وظيفتهما أوسع من نقل تصريحات الوزراء، فهما يشرحان ويكشفان ويفتحان النقاش، ولا يمكن أن يؤديا هذا الدور إذا تحولا عمدا وبقصد إلى سلم وصول ودكاكين ابتزاز وأدوات لتصفية حسابات المسؤولين، أو إذا أغلقت أمامهما أبواب المعلومات، ثم جرى اتهامهما بالإضرار بصورة الدولة كلما حاولا السؤال عن أدائها، فالثقة بالمؤسسات لا تصنعها البلاغة، وإنما المعرفة التي يستطيع الناس اختبارها.
وفي المسافة بين المجتمع ومؤسساته يزدهر أيضا خطاب شوفيني يشغل الأردنيين بمنابتهم وأصولهم ويوزع شهادات الوطنية، كأن المواطنة مسابقة أنساب، بينما القاتل يبحث عن ضحيته بيننا جميعا بلا تمييز، ولا تحمل عائلة وزر فرد، ولا تمنح منطقة أبناءها براءة مسبقة، فالدولة ليست ناديا مغلقا يحدد أصحابه شروط العضوية فيه، بل بناء دستوري وقانوني تتساوى داخله الحقوق والواجبات.
كنت قد كتبت مرارا أن الحكومة ليست الدولة، والأجهزة ليست الدولة، والمسؤول مهما علا موقعه لا يختصرها في شخصه، ولهذا فإن المطلوب بعد "حمود" و"عمان" ليس لجنة جديدة لصياغة عبارات الطمأنة، بل مراجعة مؤسسية معلنة ضمن حدود التحقيق والقانون، تبدأ بتقييم إجراءات الوقاية وبرامج تأهيل المحكومين بقضايا التطرف، وتحديد جهة حكومية تنسق سياسات المواجهة الفكرية والاجتماعية بين الوزارات، وتضع أهدافا قابلة للقياس وتقدم نتائجها للرأي العام، إلى جانب آلية واضحة لتبادل المعلومات والرد على أسئلة الصحافة، ورقابة برلمانية جدية تتابع التنفيذ وتُسائل الحكومة عن نتائجه، فلا نحتاج إلى وعود مستحيلة بأمان مطلق، بل إلى مؤسسات تعرف كيف تتعلم وتصحح وتحاسب، لأن السؤال عن أدائها ليس اعتداء على الدولة، وإنما أحد شروط حمايتها، ولأن حياة الشهيد أكبر من أن تصبح مناسبة أخرى للكلام نفسه.

 

 

 



 


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية