أبو زينة يكتب : "حدود "التقدمية" في الكيان الصهيوني..! (2-1)"
علاء الدين أبو زينة
ربما يشكل موقف الكاتب ألون بن مئير من الاحتلال والاستيطان وحكومات يمين الكيان حالة نموذجية لفهم إطارِ وحدود مَن يوصفون بأنهم “التقدميون” في الكيان الصهيوني. وبن مئير يحمل جنسية الكيان والجنسية الأميركية. وهو أكاديمي متقاعد في العلاقات الدولية، درّس في مركز الشؤون العالمية بجامعة نيويورك، ومتخصص في قضايا الشرق الأوسط والمفاوضات الدولية وتسوية النزاعات. وهو يدافع عن قيام دولة فلسطينية، ويرى أن الأمن المستدام للكيان يتطلب تسوية سياسية، ويحمّل حكوماته المتعاقبة -وفي مقدمتها حكومات بنيامين نتنياهو- مسؤولية كبيرة عن إجهاض فرص السلام وإدامة الانقسام الفلسطيني. وربما يتيح تأمل أطروحته فحص حدود هذا التيار، ومقدماته الفكرية، والمسافة التي يقطعها في نقد النظام الذي يعارض بعض سياساته.
يمكن وضع بن مئير، بصورة تقريبية، داخل طيف من الفكر في الكيان يبدأ بما تُدعى “الصهيونية الليبرالية”، ويتدرج نحو نقد أعمق للاحتلال والسردية الصهيونية. وفي أحد أطراف هذا الطيف تقف أسماء مثل عاموس عوز وديفيد غروسمان وأ. ب. يهوشواع، ممن ارتبطوا بما عُرف بـ”معسكر السلام”، وانتقدوا الاحتلال ودافعوا عن التسوية وحل الدولتين، مع بقائهم -بدرجات مختلفة- داخل الإطار الصهيوني. ويقف المؤرخ توم سيغف في موقع أكثر نقدًا للسردية التاريخية التقليدية من خلال تفكيكه عددًا من المسلّمات المؤسِسة للذاكرة الوطنية في الكيان. وتتسع المسافة مع عميرة هاس وجدعون ليفي، حيث تصبح حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال وبنية السيطرة وعلاقات القوة محورًا للنقد. وفي موقع أكثر راديكالية يمكن وضع يتسحاق لاور، الذي يتجاوز نقد السياسات الحكومية إلى مساءلة جوانب أعمق من البنية الأيديولوجية والسياسية للصهيونية.
يبقى هذا الترتيب تقريبيًا ولا يمثل تصنيفًا نهائيًا أو سلّمًا أخلاقيًا لأن الكُتّاب المذكورين يختلفون في مواقفهم، كما تبدلت مواقف بعضهم بمرور الزمن. لكنّ المقصود هو تحديد المسافة التي يبتعد بها كل منهم عن المركز السياسي الذي يجعل بقاء الكيان دولة يهودية وأمنه ومصالحه الاستراتيجية نقطة الانطلاق الطبيعية لأي تسوية. ويمكن من هذا المنظور فهم الصيغة التي يمثلها بن مئير: إنه يرفض إنكار الحقوق الفلسطينية، لكنه يظل داخل إطار يبحث عن التوفيق بينها وبين استمرار النظام القائم في الكيان.
وإذن، تتيح “الصهيونية الليبرالية” الاعتراف بالظلم الواقع على الفلسطينيين، وبأن الاحتلال عبء أخلاقي وسياسي على الكيان، وبأن الاستيطان يقوض فرص السلام، وأن قيام دولة فلسطينية يخدم مصالح الكيان أيضًا. لكنها تستطيع الإقرار بكل ذلك من دون إعادة النظر في علاقات القوة التي أنتجت المشكلة في المقام الأول. وهذا الموقف ينقل مركز السؤال من حق الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير إلى الشروط التي ينبغي لهم استيفاؤها حتى يصبح هذا الحق قابلًا للتحقق سياسيًا. وتقع هذه النقلة في صلب أطروحة بن مئير.
ثمة مقال يلخص هذه الرؤية، نشره بن مئير في مدونته في آب (أغسطس) الماضي بعنوان “المأزق الفلسطيني: إقامة الدولة تتطلب استراتيجية، لا شعارات” The Palestinian Imperative: Statehood Demands Strategy, Not Slogans . وفي المقال، يعرض بن مئير تشخيصًا يتضمن اعترافًا واضحًا بالمسؤولية التي يتحملها الكيان، ويقر بأن الكيان يتحمل “المسؤولية الساحقة” عن استمرار المأزق، ويتهم الحكومات المتعاقبة -وخصوصًا حكومة نتنياهو- بإعاقة السلام بطريقة منهجية. كما ينتقد سياسة “فرّق تسد” التي انتهجها الكيان وأسهمت في إضعاف “السلطة الفلسطينية” وتعميق الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ويرى أن التعامل الذي يتصوره مع “حماس” خدم هذا الانقسام بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لكن هذا الاعتراف لا يغير بنية الحجة. فبعد تحديد المسؤولية التي يتحملها الكيان، ينتقل بن مئير إلى سرد إخفاقات الفلسطينيين وما يترتب عليهم فعله لتجاوزها. وهو يطالبهم بنبذ العنف، وتوحيد الصفوف، وإجراء انتخابات، وإصلاح المؤسسات، ومحاربة الفساد، وتعزيز المجتمع المدني، وبناء استراتيجية دبلوماسية فاعلة، والانخراط في الأطر الدولية، والاستثمار في التنمية، والاستعداد للتفاوض مع الكيان -إلى جانب السعي إلى دور سعودي في فتح قنوات خلفية معه.
في الحقيقة، يبدو الكثير من هذه المطالب مشروعًا من حيث المبدأ. لا شك في أن الوحدة السياسية والمساءلة والمؤسسات الديمقراطية والتمثيل الشعبي هي عناصر أساسية لأي مشروع وطني. كما أن الجمع بين العمل الشعبي والدبلوماسية والقانون الدولي والحشد الخارجي يمكن أن يعزز فاعلية الاستراتيجية الفلسطينية. لكنّ أهمية هذه المطالب تتحدد بالوظيفة التي تؤديها داخل الحجة، حيث ثمة فارق جوهري بين اعتماد الإصلاحات كأدوات لبناء مشروع تحرري يحمي مصالح الفلسطينيين، وتحويلها إلى شروط مسبقة لإثبات أهليتهم لنيل حقوقهم.
في المقال، يظهر هذا الإشكال، مكثفًا، في عبارة بن مئير: “الدولة لن تُسلَّم إليهم (الفلسطينيين)؛ وإنما يجب أن تُكتسب”. وقد تُفهم العبارة باعتبارها دعوة إلى التحلي بالمسؤولية والاعتماد على الذات، لكنها تنطوي في الحقيقة على افتراض سياسي أكثر عمقًا: أن الدولة -في حالة الفلسطينيين- هي شيء يمكن منحه أو حجبه، وأن اكتسابها أو عدمه مرهون بشروط يحددها طرف آخر. وبذلك يصبح الكيان، باعتباره الطرف القائم بالاحتلال، صاحب سلطة ضمنية في تحديد شروط قيام الدولة الفلسطينية ومعايير الأهلية لنيلها.
يطمس هذا الافتراض -بطريقة اعتباطية- الفارق بين “الحق” و”المكافأة”. في الأساس، يجب أن يكون تقرير المصير حقًا أصيلًا للشعب الفلسطيني، لا يسقط بسبب الفساد أو الانقسام أو ضعف المؤسسات أو أي ذرائع مُتصورة -تمامًا مثلما لا يفقد أي شعب حقه في السيادة بسبب إخفاق حكومته. وما يفعله ربط الدولة بحسن السلوك السياسي هو جعل الطرف القائم بالاحتلال حاضرًا، ضمنًا، باعتباره صاحب السلطة المطلقة على تحديد شروط إنهائه.
تقدِّم هذه المفارقة عرضًا لمحدودية جانب مهم مما يُدعى “الخطاب الليبرالي” في الكيان الصهيوني. ربما يبتعد أحد هناك عن مواقف اليمين إلى حد الاعتراف بالمأساة الفلسطينية، ومعارضة الاحتلال، والإقرار باستحالة بناء أمن دائم على إخضاع شعب آخر. لكنه يبقي الفلسطيني في الوقت نفسه موضوعًا لإصلاح غير محدد وللاختبار السياسي غير المنتهي -إلى أن يصبح مؤهلًا للدخول في تسوية يصوع الطرف الأقوى إطارها وشروطها.
هذه هي فضيلة -إذا كان ثمة فضيلة في أن يتحدث عن حقوق الفلسطينيين شخص يشرعن كيانًا في أرض منتزعة كلها بالإكراه من أصحابها الأصليين- موقف بن مئير وحدوده معًا: ثمة رفض لإنكار الحقوق الفلسطينية، وإنما مع استمرار النظر إلى حل القضية من داخل الأسئلة التي يطرحها الكيان عن أمنه وتسويته واستقرار نظامه.
ثمة بالتأكيد فروق مهمة بين موقف بن مئير -والتيار الذي يعبر عنه- وبين اليمين المتطرف المنكر تمامًا لوجود الفلسطينيين نفسه. لكن الأمر يتعلق –في حالة “التقدميين” بتحديد المسافة بين معارضة الاحتلال ومساءلة البنية التي تجعله ممكنًا. بين القبول بالدولة الفلسطينية باعتبارها حلًا سياسيًا وبين الاعتراف الكامل بحق الفلسطينيين في تقرير مستقبلهم. وربما يكون هذا التمييز هو المدخل الضروري لقراءة مواقف هذا التيار “التقدمي” الصهيوني من العنف، والقيادة الفلسطينية، وحل الدولتين، وفهم تصوُّره المؤطّر بشدة لـ”التقدمية”.







