الحديد يكتب : "خطاب الملك رسالة أبوية ترسخ وحدة الأردنيين وتحمل المسؤولية الوطنية"
العين نضال برجس الحديد
إن الكلمة الأبوية التي وجّهها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، خلال افتتاح الدورة العادية لمجلس الأمة، لم تكن مجرد خطاب ملكي وحسب، بل حملت في مضامينها رسالة أبٍ حريص على وطنه وأبنائه، وقائدٍ يستشعر مسؤولياته الوطنية والتاريخية تجاه الأردن والأردنيين، ويضع مصلحة الوطن وأمنه واستقراره وكرامة أبنائه في مقدمة أولوياته. فقد جاءت كلمات جلالته معبّرة عن عمق العلاقة التي تربط القيادة الهاشمية بشعبها، وعن نهجٍ راسخ يقوم على المصارحة والوضوح وتحمل المسؤولية، ويؤكد أن قوة الأردن الحقيقية تكمن في وحدة أبنائه وتماسك مؤسساته وقدرتهم على مواجهة التحديات بروح وطنية جامعة.
لقد عكست كلمات جلالته عمق العلاقة التي تجمع القيادة الهاشمية بأبناء الشعب الأردني، وهي علاقة راسخة قوامها الثقة والمحبة والمسؤولية المشتركة، كما جسّدت نهجًا قياديًا يقوم على المصارحة والوضوح، والحرص على أن يبقى الأردن وطنًا آمنًا مستقرًا، ماضيًا بثبات نحو مزيد من التقدم والإنجاز. فالخطاب الأبوي لم يكن مجرد توجيهات أو رسائل عابرة، بل حمل تأكيدًا على أن القيادة تتابع تطلعات الأردنيين وتدرك حجم التحديات التي تواجههم، وتؤمن بأن تجاوزها لا يكون إلا بتكاتف الجهود وتعزيز روح المسؤولية والانتماء، والعمل بإخلاص من أجل مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
كما حمل الخطاب تأكيدًا واضحًا على أهمية الحفاظ على أمن الأردن واستقراره، وصون منجزاته الوطنية في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات واضطرابات متسارعة، وهو ما يعكس المكانة التي يحتلها الأمن الوطني في سلم الأولويات الأردنية. فالأردن، بما يمتلكه من مؤسسات وطنية راسخة ووعي شعبي ومسؤولية جماعية، قادر على مواجهة مختلف التحديات، شريطة استمرار وحدة الصف والالتفاف حول الثوابت الوطنية، وعدم السماح لأي جهة أو فكر متطرف بالمساس بأمن المجتمع أو العبث باستقراره.
وفي هذا السياق، نؤكد أن وحدة الأردنيين وتماسك نسيجهم الوطني، مسلمين ومسيحيين، يشكلان صمام الأمان في مواجهة كل أشكال التطرف والإرهاب والفكر الظلامي، وأن ما شهدته بلدة حمود في محافظة الكرك من اعتداء آثم على كنيسة الروم الأرثوذكسية، يؤكد ضرورة التمسك بقيم التآخي والتسامح والعيش المشترك، والوقوف صفًا واحدًا في مواجهة كل من يحاول العبث بأمن الأردن أو النيل من وحدته الوطنية. إن استهداف دور العبادة أو الاعتداء على أي مكوّن من مكونات المجتمع الأردني لا يستهدف فئة بعينها، بل يمسّ قيم الدولة الأردنية وهويتها الوطنية الجامعة. فالأردن كان وسيبقى نموذجًا في التلاحم الوطني، وستظل العلاقة بين أبنائه قائمة على الاحترام المتبادل والشراكة في المواطنة والانتماء، ولن تنال محاولات بث الفرقة من وحدة هذا المجتمع وتماسكه.
ومن المضامين المهمة التي أكد عليها الخطاب أهمية دور المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها مجلس الأمة، في تحمل مسؤولياتها الوطنية والتشريعية والرقابية، بما يعزز مسيرة الإصلاح والتحديث السياسي، ويرتقي بمستوى العمل العام إلى تطلعات الأردنيين. فالمسؤولية الوطنية تقتضي أن تكون مؤسسات الدولة على قدر الثقة الممنوحة لها، وأن يكون الحوار والاختلاف في الرأي ضمن إطار من الاحترام والمسؤولية، وأن تبقى المصلحة الوطنية العليا هي المرجعية التي تنظم العمل السياسي وتوجه مساراته. كما أن تعزيز الحياة السياسية يتطلب مشاركة فاعلة وواعية من مختلف فئات المجتمع، وإيمانًا بأن بناء الدولة مسؤولية مشتركة لا تنفرد بها مؤسسة أو جهة دون أخرى.
كما نثمن ما تضمنه الخطاب من تأكيد على سيادة القانون وترسيخ مبادئ العدالة والمساءلة، باعتبارها أساسًا لا غنى عنه في بناء الدولة الحديثة وتعزيز ثقة المواطن بمؤسساتها. فاحترام القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء، ومكافحة التجاوزات واستغلال المواقع والمسؤوليات العامة، تمثل جميعها ضمانات أساسية لصون حقوق المواطنين وحماية المال العام وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص. فالوظيفة العامة مسؤولية وطنية وأمانة تستوجب الإخلاص والنزاهة والعمل لخدمة المواطن، وليست امتيازًا أو وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية.
وعلى الصعيد الاقتصادي والتنموي، فإن ما حمله الخطاب من اهتمام بتسريع تنفيذ المشاريع الكبرى وتعزيز فرص الاستثمار وتحسين مستوى الخدمات، يؤكد أهمية الانتقال من الخطط إلى الإنجاز، ومن الوعود إلى النتائج التي يلمسها المواطن في حياته اليومية. فالتنمية الحقيقية لا تقاس بحجم المشاريع المعلنة فحسب، وإنما بقدرتها على توفير فرص العمل، وتحسين الظروف المعيشية، وتمكين الشباب، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التحديات. كما أن الاستثمار في طاقات الشباب وإتاحة الفرص أمامهم يمثلان ركيزة أساسية لبناء المستقبل، فهم الثروة الحقيقية للوطن والمحرك الأساسي لمسيرة التقدم والإنجاز.
ولا يقل أهمية عن ذلك ما أكده جلالة الملك بشأن الأمن المائي، باعتباره أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه الأردن، وأولوية وطنية ترتبط بالأمن والاستقرار والتنمية المستدامة. فالحفاظ على الموارد المائية وتعزيز كفاءة إدارتها وتنفيذ المشاريع اللازمة لتأمين احتياجات المملكة يمثل مسؤولية وطنية تتطلب التخطيط والعمل المستمر، حفاظًا على حقوق الأجيال القادمة وضمانًا لاستدامة هذا المورد الحيوي.
أما على صعيد القضايا العربية، فقد بقي الموقف الأردني ثابتًا في الدفاع عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والتأكيد على حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، ووقف الاعتداءات والانتهاكات التي يتعرض لها، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف في ظل الوصاية الهاشمية التاريخية. وهو موقف يعكس ثوابت الأردن القومية والإنسانية، ويؤكد استمرار دوره في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، انطلاقًا من مسؤولياته التاريخية ومواقفه الراسخة تجاه فلسطين وشعبها.
وإننا إذ نثمن ما حمله الخطاب من رسائل وطنية واضحة، لنؤكد اعتزازنا بالقيادة الهاشمية الحكيمة، ووقوفنا خلف جلالة الملك في مسيرة البناء والتحديث، وإيماننا بأن مسؤولية الحفاظ على الوطن والنهوض بمستقبله مسؤولية جامعة تتطلب تضافر جهود جميع الأردنيين ومؤسسات الدولة. كما نؤكد أن المرحلة المقبلة تستدعي مزيدًا من التكاتف والعمل والإخلاص، وأن الحفاظ على منجزات الوطن وتعزيز مسيرته يتطلبان تغليب المصلحة العامة، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء، والوقوف صفًا واحدًا خلف قيادتنا الهاشمية ومؤسساتنا الوطنية.
إن الكلمة الأبوية لجلالة الملك ستبقى بما حملته من معانٍ ورسائل تعبيرًا عن نهج هاشمي أصيل، يقوم على القرب من أبناء الوطن، والحرص على مصالحهم، والثقة بقدرتهم على صناعة مستقبلهم. وهي رسالة تؤكد أن الأردن، رغم كل التحديات، ماضٍ بثبات في مسيرته، مستندًا إلى وحدة شعبه وقوة مؤسساته وحكمة قيادته، وأن تماسك الأردنيين سيبقى الركيزة الأهم في حماية الوطن وصون استقراره وتعزيز منجزاته.
حفظ الله الأردن عزيزًا آمنًا مستقرًا، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمين سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، وحمى شعبه ومؤسساته، وأبقى رايته خفاقة في ظل القيادة الهاشمية.







