اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

النسور يكتب : "خطاب العرش.. مسؤولية لا امتياز وعدالة لا محاباة وإنجاز لا شعارات"

{title}
أخبار الأردن -

رائد اسماعيل النسور

خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، حمل جملة من الرسائل السياسية والوطنية الواضحة، وحدد جملة من الأولويات والاستحقاقات التي ينبغي أن تتحول إلى برامج عمل وسياسات عامة ، وأن تنعكس نتائجها على الدولة والمجتمع والمواطن .

إن القراءة في خطاب العرش يجب ألا تقف عند حدود الاستماع إلى مضامينه أو إعادة ترديد عباراته ، وإنما يجب أن تتجاوز ذلك إلى فهم الرسائل التي أراد جلالة الملك إيصالها إلى مؤسسات الدولة ، وتحديد المسؤوليات المترتبة عليها ، والبحث في الآليات التي تضمن تحويل هذه التوجيهات إلى برامج وخطط تنفيذية ملموسة على ارض الواقع .

فبدأ جلالة الملك خطابه بالتأكيد على موقف الدولة الحازم في مواجهة الإرهاب ، بعد الاعتداء الإرهابي الذي استهدف الأردن وأعاد إلى الذاكرة دماء شهداء الكرك،
وهنا لا بد من التأكيد أن الإرهاب والتطرف مرفوضان بكل أشكالهما وصورهما ، وأنهما لا يمثلان دينا ولا فكرا ولا قيمة وطنية ، بل يشكلان اعتداءً على الدولة والمجتمع والإنسان ، وعلى حق الأردنيين في الحياة الآمنة والمستقرة.
وان مواجهة الإرهاب ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية والعسكرية وحدها ، وإنما هي مسؤولية وطنية ومجتمعية متكاملة ، تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة وتمتد إلى المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية والسياسية والشبابية.
كما أن تحصين الشباب من الفكر المتطرف يتطلب توفير البيئة التي تحتضن طاقاتهم ، وتفتح أمامهم أبواب المشاركة والعمل والإبداع ، وتمنحهم الأمل والثقة بالمستقبل . فالدولة التي تستثمر في وعي شبابها وتعليمهم وفرصهم ، تبني أحد أهم خطوط دفاعها في مواجهة التطرف والانغلاق  ، وهنا لابد التاكيد على ان تقوم هذه المؤسسات بتعزيز وتطوير برامجها لزرع الفكر المعترف بالاخر وقبوله وتقبل الاختلاف وتطوير طرق الحوار وتعزيز قيم الانتماء للمكان وغيرها من المجالات ذات الاختصاص .

كما تحدث جلالى الملك عن الوظيفة العامة ومناصب الدولة وهنا يجب على المسؤول ان يسال عن انجازاته وعن تقصيره ان وجد ويجب تعزيز فكرة ان الوظيفة العامة تكليف لا تشريف.. وان هذه الوزارات والمؤسسات ليست مزارع لأحد بل هي مؤسسات وجدت لخدمة الوطن وابناءه ، بالتالي لابد من جولات ميدانية لاجهزة الرقابة والمحاسبة المختلفة لمتابعة سير عمل هذه المؤسسات سواء بالجانب المالي او الاداري .

من أكثر الرسائل أهمية ووضوحاً في خطاب جلالة الملك قوله إنه " لا مكان لمن يظن أن الوظيفة العامة تشريف يرفعه عن العمل أو خدمة الناس ، مؤكداً أنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه ، وأن القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً " وهذه رسالة يجب أن تقرأ بعمق ، وألا تمر مرورا عابرا ، لأنها تمس جوهر الإدارة العامة وفلسفة وجود المؤسسات الحكومية ، وهذا يدل ان جلالة الملك لديه معلومات ان هناك تجاوزات ادارية من مجموعة معينة واراد ان يوصل هذه الرسالة لهم وللجهات الرقابية بان تقوم بدورها وواجبها .
فالمنصب العام ليس امتيازاً شخصياً، ولا وجاهة اجتماعية، ولا سلطة تمنح صاحبها الحق في التعامل مع المؤسسة باعتبارها ملكية خاصة ، بل هو مسؤولية وتكليف وأمانة يترتب عليها واجب خدمة الناس وتحقيق المصلحة العامة .
ومن هنا، فإن الوزارات والمؤسسات والدوائر الحكومية ليست مزارع لأحد، ولا ملكاً للوزير أو المسؤول الذي يتولى إدارتها ، ولا يجوز أن تتحول إلى مساحات للنفوذ الشخصي أو تصفية الحسابات أو المحسوبيات أو فرض العلاقات الخاصة.
وأرى أن هناك مسؤوليتين أساسيتين يجب أن يحكمَا أداء كل مسؤول عام:
الأولى: تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص داخل المؤسسة وخارجها، بحيث لا يكون هناك تمييز بين موظف وآخر، ولا بين مواطن وآخر، على أساس الواسطة أو القرابة أو النفوذ أو الانتماء، وإنما وفق الكفاءة والاستحقاق والقانون.
والثانية: تحقيق الأهداف التي أنشئت المؤسسة من أجلها ، وعدم اختزال دورها في المحافظة على المنصب أو إدارة المعاملات اليومية ، بل العمل على تطوير أدائها ورفع كفاءتها وقياس نتائجها ومدى انعكاسها على حياة المواطنين .

فالحكومة والقطاع العام لم يوجدا لخدمة المسؤولين، وإنما لخدمة المواطن، وتحقيق رفاهه وكرامته، وتوفير متطلبات الحياة الكريمة له ، والمساهمة في ازدهار الدولة وتقدمها.

ولذلك، فإن تقييم المسؤول يجب ألا يكون بناءا على عدد الاجتماعات التي عقدها ، أو التصريحات التي أدلى بها أو الزيارات التي قام بها ، بل بناءً على ما أنجزه وما طوره وما عالجه من اختلالات وما حققه من عدالة ، وما تركه من أثر إيجابي في المؤسسة والمجتمع .
إننا بحاجة إلى الانتقال من ثقافة إدارة المنصب إلى ثقافة إدارة الإنجاز ، ومن مفهوم السلطة باعتبارها امتيازاً إلى مفهوم المسؤولية باعتبارها خدمة عامة .

الشباب الذين جزء رئيسي من الاهتمام الملكي والذي يعتبرهم شريك في بناء الدولة وليس مجرد فئة مستهدفة بالبرامج ، ولا يمكن الحديث عن مستقبل الدولة والتحديث السياسي والاقتصادي والإداري دون الوقوف عند دور الشباب.
فالشباب ليسوا جمهورا يستدعى في المناسبات أو يطلب منه التصفيق للإنجازات ، بل هم طاقة وطنية ورافعة أساسية في بناء الدولة ، ويجب أن يكونوا شركاء حقيقيين في صناعة القرار والمشاركة في الحياة العامة .
إن مواجهة التطرف، وتحقيق التنمية وتطوير الإدارة العامة وتعزيز الثقة بالمؤسسات ، كلها ملفات لا يمكن تحقيق أهدافها دون إشراك الشباب والاستماع إلى آرائهم وإتاحة الفرصة أمامهم لتولي المسؤوليات على أساس الكفاءة والقدرة والاستحقاق .
ونحن بحاجة إلى الانتقال من مرحلة الحديث عن تمكين الشباب إلى مرحلة منحهم الفرص الفعلية، ومن عقد المؤتمرات والحوارات حولهم إلى إشراكهم في وضع السياسات وصناعة القرارات وتقييم نتائجها.
فالشباب الذين نريد منهم أن يدافعوا عن الدولة ومؤسساتها ، يجب أن يشعروا بأن هذه الدولة تفتح لهم أبوابها وتؤمن بقدراتهم ، وتمنحهم الفرصة العادلة لإثبات أنفسهم .

خطاب العرش ليس خطاباً إنشائياً بل يجب أن يتحول إلى خطة عمل وطنية

وهنا أصل إلى النقطة الأهم في قراءتي لخطاب العرش بان الخطاب الملكي بما تضمنه من توجيهات وأولويات ، يجب ألا يبقى في إطار الخطاب السياسي أو العبارات التي نتداولها إعلامياً لعدة أيام ثم ننتقل بعدها إلى قضايا أخرى ، بل يجب أن يكون نقطة انطلاق لخطة عمل وطنية متكاملة ، تتوزع فيها المسؤوليات بوضوح بين مؤسسات الدولة ، وتحدد فيها الأولويات والبرامج والجداول الزمنية ومؤشرات قياس الأداء .
وهذا يتطلب أن تبادر الحكومة إلى ترجمة التوجيهات الملكية إلى برنامج تنفيذي واضح ، وأن تراجع التشريعات والسياسات التي تحتاج إلى تطوير، وأن تقدم مشاريع القوانين والتعديلات التشريعية اللازمة لمعالجة الاختلالات وتسهيل الاستثمار وتحسين الخدمات وتطوير الإدارة العامة وتعزيز سيادة القانون.
وفي المقابل، فإن مجلس الأمة، بمجلسيه، أمام مسؤولية وطنية ودستورية في دراسة هذه التشريعات ومناقشتها وتقديم المقترحات والتعديلات التي تحقق المصلحة العامة وتعبر عن تطلعات الأردنيين.

فالسلطة التنفيذية تقدم رؤيتها في كيفية إدارة الدولة وتنفيذ السياسات وتحقيق الأهداف ، بينما تمارس السلطة التشريعية دورها في صياغة الإطار القانوني الذي يحكم هذه السياسات، ومراقبة الأداء الحكومي ، والتعبير عن مصالح المواطنين وتطلعاتهم من خلال ممثليهم.

وهنا لا بد من التذكير بأن الأمة مصدر السلطات ، وأن التشريع هو تعبير عن الإرادة العامة وعن الكيفية التي يريد المجتمع أن تدار بها شؤونه ، ضمن أحكام الدستور ومبادئ الدولة الأردنية ، ومن الضروري أن يكون هناك تكامل بين السلطتين، دون أن يتحول التعاون إلى تنازل عن الدور الرقابي ، أو تتحول الرقابة إلى خصومة سياسية تعطل العمل والإنجاز.

فالأردن يستحق مرحلة عنوانها الإنجاز والثقة والمسؤولية والاستجابة لرسائل جلالة الملك لا تكون بتكرار مضامين خطاب العرش ، وإنما بتحويلها إلى سياسات وقرارات وتشريعات وإنجازات يشعر بها الأردني في حياته اليومية .
فالأردن لا يحتاج إلى مزيد من الخطط التي تبقى على الورق ولا إلى مؤسسات تكتفي بوصف ما يجب أن يكون ، بل يحتاج إلى إرادة تنفيذية وتشريعية حقيقية ، وإلى مسؤولين يدركون أن مواقعهم تكليف لا تشريف ، وأن المؤسسات التي يقودونها ليست ملكاً لهم ، وأن المواطن هو الغاية من وجودها.
فالخطاب الملكي يرسم الاتجاه، والمسؤولية تقع على عاتق الجميع والإنجاز هو المعيار، والمواطن هو المستفيد والحكم على النتائج .

اما عن قضيتنا الفلسطينية التي لم تغب يوما عن الاردن وقيادته الهاشمية باعتبارها القضية المركزية للاردن ، فالأردن لا ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها ملف من ملفات السياسة الخارجية ، أو موقفا سياسيا تفرضه ظروف المرحلة، بل باعتبارها قضية مركزية ترتبط بالأمن الوطني الأردني وبالهوية العربية وبالاستقرار الإقليمي وبالحقوق التاريخية والمشروعة للشعب الفلسطيني.

إن تأكيد جلالة الملك على أن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحققا دون حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه ، يحمل رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن معالجة نتائج الصراع دون معالجة أسبابه الحقيقية لن تقود إلى سلام مستدام ، وأن استمرار الاحتلال والانتهاكات وسياسات التوسع والتهجير لن يؤدي إلا إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار.

فالسلام لا يمكن أن يُبنى على حساب الحقوق ، ولا يمكن أن يكون استقرار المنطقة قائما على حرمان شعب من حقه في أرضه وحريته وتقرير مصيره .

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية