اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العايدي يكتب : "نحو مرجعية وطنية لتطوير العمل الديني"

{title}
أخبار الأردن -

د.محمد صبحي العايدي

مع تعدد المؤسسات الدينية وتوزع المسؤوليات بينها، وتكاثر البرامج والأنشطة، تبرز الحاجة إلى رؤية تجمع جهودها، وخطة توجه عملها، ومعايير تقيس بها النتائج، فالتحدي اليوم لا يكمن في نقص المؤسسات الدينية، ولا في الكوادر والكفاءات، بقدر ما يكمن في قدرتها على العمل ضمن مشروع متكامل يجيب عن أسئلة الواقع ويحصن وعي المجتمع، ويصون حضوره الأخلاقي والإنساني.
 

من هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء مجلس إسلامي أعلى بوصفه مرجعية وطنية للشأن الديني، تتولى بناء الرؤية الإستراتيجية، ووضع السياسات والخطط العامة، وتنسيق جهود المؤسسات المعنية ومتابعة أدائها، وتقويم نتائجها، ولا يراد لهذا المجلس أن يكون مؤسسة بيروقراطية جديدة، أو بديلًا عن الوزارات والهيئات القائمة، أو جهة تتولى تنفيذ مهامها، بل إطارًا وطنيًا جامعًا يوجه العمل ويمنع التشتت، ويربط البرامج بأهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، فيما تبقى مسؤولية التنفيذ للجهات المختصة كل بحسب اختصاصه.

وتتمثل أولى مهام المجلس بوضع إستراتيجية وطنية بعيدة المدى، لا تكتفي بالشعارات العامة بل تحدد أولويات العمل الديني ومراحله، والجهات المسؤولة عن تنفيذ كل مسار، ومؤشرات قياس نجاحه، إستراتيجية تجعل من ترسيخ الاعتدال وتعزيز قيم المواطنة والعدل والرحمة، والوقاية من الغلو والتطرف، أهدافًا عملية تترجم إلى مناهج وبرامج وخطاب يومي.

ومن مسؤولياته مراجعة المناهج الدينية وتطويرها، بالتعاون مع العلماء والتربويين والخبراء، لتكون أكثر اتصالًا بحياة الطلبة وأسئلتهم، وأقدر على تنمية الفهم والنقد والشعور بالمسؤولية، فالتعليم الديني لا ينبغي أن يقتصر على حفظ المعلومات، بل عليه أن يعلم الطالب كيف يفهم النص في سياقه، ويميز بين الاختلاف المشروع والتحريض، وبين التدين الذي يبني الإنسان والخطاب الذي يدفعه إلى الإقصاء.

كما يحتاج الوطن إلى مرصد علمي يدرس التحولات الفكرية والاجتماعية والرقمية، ويرصد طرق استقطاب الشباب، ويحلل أسباب التطرف وبيئاته وخطابه، فالمواجهة الجادة لا تقوم على إدانة العنف بعد وقوعه فحسب، بل على فهم المسارات التي تفضي إليه والأسئلة التي يستغلها المتطرفون، والخطاب الذي يزين أفكارهم، ولا يكفي أن نقيس حضور موضوع ما بعدد خطب أو منشورات، بل ينبغي أن نسأل: هل قدم الخطاب فهمًا يتناسب مع متغيرات العصر؟ وهل فكك شبهات قد تتسلل إلى عقول الأردنيين؟ وهل أقنع المتلقين بأهمية الوسطية والاعتدال بوصفهما منهجًا صالحًا لكل زمان ومكان؟ وهل ترك أثرًا في الوعي والسلوك؟

وللمجلس دور أساسي في وضع خطط مستمرة لتأهيل الأئمة والوعاظ والمعلمين والمربين والقضاة والمفتين، بالتعاون مع الجهات المختصة، من خلال برامج تدريب مستمر يجمع بين التأصيل الشرعي وفهم المقاصد الكلية، ومهارات الحوار والتواصل ومعرفة التحولات النفسية والاجتماعية والرقمية، فالإمام والخطيب والمفتي اليوم يواجهان أسئلة تتجاوز المنبر والدرس التقليدي، وتحتاج إلى علم راسخ، ولغة قريبة من الناس، وقدرة على الإصغاء قبل الإجابة.

كما يتولى المجلس التنسيق بين الجامعات ومراكز البحث والجهات المعنية بالفتوى، ورفع جودة البحث الشرعي والدراسات الدينية، ومواكبة القضايا المستجدة، مع احترام الاختلاف العلمي، وعدم اختزال الاجتهاد في رأي واحد، ومن مسؤولياته أيضًا أن يعزز حضور المؤسسات الدينية في الفضاء الرقمي، بمحتوى موثوق ومقنع، قادر على الوصول إلى الشباب، ويواجه خطاب التحريض والتضليل.

ولا تكتمل هذه الرؤية من دون ترسيخ خطاب يحفظ الكرامة الإنسانية، ويصون حقوق المواطنين على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، ويعزز ثقافة العيش المشترك، ويقاوم الكراهية والتمييز، فالدين حين يعرض في صورته الأخلاقية والمقاصدية يكون قوة بناء ووحدة، يسهم في تماسك المجتمع.

ولكي ينجح المجلس لا بد أن يجتمع علماء الشريعة بخبراء التربية والاجتماع والإعلام والقانون وعلم النفس، وأن تتنوع فيه الخبرات، وأن تكون صلاحياته واضحة ومحددة، كما ينبغي ألا تتعارض مع اختصاصات المؤسسات القائمة، كما ينبغي أن يصدِر تقريرًا سنويًا يبين ما أنجز وما تعثر، وأسباب التعثر، والخطوات التصحيحية المقترحة، مستندًا إلى مؤشرات معلنة تقيس الأثر في المعرفة والسلوك.

إن إنشاء مجلس إسلامي ليس غاية إدارية، بل خيار إستراتيجي لبناء مرجعية وطنية توحد الرؤية، وتنسق الجهود، وتطور أدوات العمل الديني، فحين تتكامل المؤسسات وتبنى السياسات على المعرفة، ويخضع الأداء للتقويم، يصبح الخطاب الديني أقدر على حماية المجتمع من الغلو والتطرف، والإجابة على الأسئلة الواقعية، والإسهام في تماسك المجتمع وترسيخ الثقة بمؤسساته.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية