الحوارات يكتب : "نتنياهو ملك إسرائيل يترنح… فهل ينجو؟ وماذا بعده إن سقط؟"
د.منذر الحوارات
"انقلاب في إسرائيل" مقال كتبته في 20 آذار (مارس) 2023، إثر المظاهرات ضد مشروع نتنياهو لتغيير النظام القضائي، وقتها رأيت أن الرجل لا يسعى للنجاة من المحاكمة فحسب، بل يسعى لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، أو "تشريقها" بما يخدم بقاءه في الحكم، لكنه لم يتخيل، وهو يعيد ترتيب التحالفات ويمهد الطريق لإطالة حكمه، أن الطريق نفسه قد يقوده خارج السلطة.
أشرت يومها إلى محاولة نقل جانب من النفوذ الذي احتكرته تاريخيًا النخب الأشكنازية إلى تحالف سياسي واجتماعي يستند إلى قطاعات من اليهود الشرقيين والمتدينين والقوميين، وصفت ذلك بأنه "انقلاب إسرائيل الشرقية على إسرائيل الغربية"، والمفارقة اليوم أن الخصم الذي ينازع نتنياهو الحكم، غادي آيزنكوت، ليس ممثلًا للنخبة الأشكنازية التقليدية، بل شخصية مزراحية من أصول مغربية، تتحرك ضمن مشروع سياسي مختلف، هكذا لم يعد الصراع بين إسرائيل الشرقية والغربية وحدهما، بل بات جزء من الأولى ينازع نتنياهو مفاتيح السلطة التي ظن أنه امتلكها، وهذا يعني أن التحول الاجتماعي الذي راهن عليه نتنياهو لم يعد حكرًا عليه، ولا ضمانة لاستمرار هيمنته على المشهد السياسي.
تشير النتائج إلى امتلاك معسكر نتنياهو 53 مقعدًا، مقابل 48 لمعسكر آيزنكوت، و19 للقائمتين العربيتين، بالتالي فإن أمام نتنياهو خيارات معقدة: استمالة خصوم يجمعهم رفض استمراره، أو تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو الانتقال إلى المعارضة، وهذا الأخير قد يفضي به إلى السجن، أما آيزنكوت فيستطيع حسابيًا بلوغ الأغلبية بدعم العرب، لكنه يصطدم برفض بعض حلفائه، وبشروط سياسية يصعب التوافق عليها.
لم تعد المسألة من حصل على المقاعد الأكثر، بل من يستطيع إقناع خصومه بالجلوس معه، وإقناع الإسرائيليين بأن أصوات العرب جزء من صناعة السلطة، هنا تواجه إسرائيل امتحانًا لديمقراطيتها المزعومة، فقد قبلت مشاركة الفلسطينيين في صناديق الاقتراع، لكنها ترفض الاعتراف بتأثيرهم على تشكيل الحكومة، أصواتهم قد تصبح الطريق لإنهاء حكم نتنياهو، فيما ترى قوى يهودية أن الاعتماد عليها سابقة خطيرة، والمفارقة أن رفض هذا الخيار قد يمنح نتنياهو فرصة جديدة للنجاة، وهذا يضع مستقبل الحكومة المقبلة أمام اختبار سياسي يتجاوز الأشخاص إلى طبيعة الدولة نفسها ومؤسساتها، وهنا يتكشف تناقض عميق بين المساواة التي يفترض أن تمنحها المواطنة المفترضة، والحدود السياسية التي تفرضها هوية الدولة على المشاركة الفعلية في الحكم.
أما نتنياهو فلن يقف مكتوف الأيدي، فقد مزج طوال مسيرته بين الداخل والخارج، واستثمر الأخطار الإقليمية لتعزيز صورته حاميًا لإسرائيل، وكلما تعقدت أزماته، وجد في التهديدات الأمنية فرصة لإعادة جمع الإسرائيليين حوله، لا يعني ذلك أن الحروب اختُرعت جميعها من أجل بقائه، لكن توظيفها السياسي كان واضحًا، فهل يلجأ إلى تصعيد جديد يعيد تشكيل الاصطفافات، خصوصًا أن المواجهة مع إيران لا تزال مفتوحة على مصراعيها؟ أم أن الإسرائيليين باتوا أقل استعدادًا لمنحه تفويضًا مفتوحًا باسم الأمن؟ السؤال هنا لا يتعلق بقدرته على إشعال مواجهة فحسب، بل بقدرته على تحويل نتائجها إلى رصيد سياسي بعدما أثقلت الحروب المجتمع الإسرائيلي بكلف بشرية واقتصادية وأمنية.
أما بقاء نتنياهو أو غيابه، فله انعكاسات تتجاوز إسرائيل التي أصبحت لاعبًا مؤثرًا في ملفات الإقليم، فلسطينيًا، يعني استمرار تحالفه بقاء سياسات الاستيطان والضغط والتهجير ومشاريع السيطرة على القدس والضفة الغربية، بينما قد يغير رحيله أسلوب التعامل مع السلطة وغزة، دون أن يضمن قيام دولة فلسطينية، إيرانيًا، قد يغير آيزنكوت وسائل المواجهة، لكن منع إيران من امتلاك سلاح نووي سيبقى هدفًا مشتركًا.
العلاقة مع الولايات المتحدة قد تفقد شيئًا من طابعها الشخصي بين ترامب ونتنياهو، لكنها ستحتفظ بعمقها الإستراتيجي، لبنان وسورية قد يشهدان تغييرًا في أدوات الضغط، لا في جوهر الحسابات الأمنية الإسرائيلية، أما الأردن، الذي اتسمت علاقته بنتنياهو بالشك وانعدام الثقة، خصوصًا بشأن القدس والضفة والاستيطان والتهجير، فقد يجد فرصة لتحسين التواصل مع حكومة أخرى، دون أن تزول أسباب القلق، فالمشكلة الأردنية ليست مع شخص رئيس الحكومة وحده، بل مع سياسات تمس الأمن الوطني الأردني ومستقبل القضية الفلسطينية.
قد ينجو نتنياهو مجددًا، كما نجا من أزمات اعتقد خصومه أنها نهايته، وقد يغادر السلطة التي بذل الكثير لإعادة تشكيلها ضمانًا لبقائه، لكن إسرائيل لن تعود بسهولة إلى ما كانت عليه، فالرجل الذي أراد أن يكون ملكها غير المتوج، ربما يكتشف أن أخطر ما فعله لم يكن توسيع سلطته، بل فتح صراع على هوية دولة نشأت من الشتات وعلى أنقاض شعب آخر، لا يزال يناضل ليحفظ وجوده في وطنه، شعب يُطلب منه قبول واقع الدولة، بينما ترفض قوى فيها أن يكون شريكًا في قرارها، وتلك مفارقة قد تغير وجه إسرائيل أكثر مما فعل نتنياهو نفسه.







