اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو دلو يكتب : "حل الدولتين على أرض تتآكل"

{title}
أخبار الأردن -

معاذ وليد أبو دلو

في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة، وما تتبعه الحكومات الإسرائيلية اليمينية من سياسات توسعية وإجراءات تمس الهوية الفلسطينية والعربية، وتعمل على تغيير الواقع القائم على الأرض، والذي من الممكن أن تخف حدته ولو بتأخير التنفيذ حسب الحكومة القادمة بعد نتائج انتخابات الكنيست، يجد المشروع الوطني الفلسطيني نفسه أمام تحديات تتجاوز حدود التفاوض على إقامة الدولة الفلسطينية، لتصل إلى معضلة الحفاظ على الأرض التي يفترض أن تقوم عليها هذه الدولة.

فبعد أن كان الحديث يدور حول تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، ثم تركزت الجهود السياسية على إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967، بات السؤال اليوم أكثر إلحاحًا: كيف يمكن حماية ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، ولا سيما مناطق "أ" و"ب" في الضفة الغربية، في ظل التوسع الاستيطاني وتآكل المساحات الجغرافية الفلسطينية؟

لقد تمسكت الدول العربية، في خطابها السياسي، بحل الدولتين باعتباره الإطار السياسي لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وشكلت مبادرة السلام العربية التي أقرت في قمة بيروت عام 2002 محطة مهمة في هذا المسار، إذ طرحت تطبيعًا للعلاقات بين الدول العربية وإسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وحل قضية اللاجئين وفقًا للمرجعيات الدولية ذات الصلة.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، هو: إلى أي مدى ما زالت هذه المبادرة قادرة على تحقيق أهدافها في ظل المتغيرات التي شهدتها المنطقة، وحالة الانقسام العربي، واتساع الاستيطان، وتراجع فرص التسوية، إلى جانب الانقسام الفلسطيني وتراجع القدرة على بلورة موقف وطني موحد وفاعل؟
فكيف يمكن إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة على أرض تتآكل مساحتها وتتقطع أوصالها؟

إن حل الدولتين لا يقوم على مجرد إعلان سياسي وموقف، بل يتطلب وجود إقليم متصل جغرافيًا، وسيادة فعلية، وقدرة على إدارة الحدود والموارد، ومؤسسات وطنية فاعلة، وفي ظل التوسع الاستيطاني، والطرق التي تربط المستوطنات، وتزايد القيود على الحركة، وتجزئة الأراضي الفلسطينية إلى تجمعات متباعدة كنتونات، تصبح إمكانية إقامة دولة متصلة وقابلة للحياة أكثر تعقيدًا. ولا يمكن فصل هذه التحديات عما شهدته الضفة الغربية وقطاع غزة من تحولات إنسانية وسياسية وأمنية عميقة.

لقد تغيرت عوامل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عما كانت عليه في مراحل سابقة، فالمواقف الدولية المعلنة ما زالت تؤكد، في جانب كبير منها، ضرورة حل الدولتين بوصفه إطارًا لتحقيق السلام والاستقرار، لكن الفجوة بين التصريحات والممارسة العملية تظل موضع تساؤل، فالدعوة إلى السلام لا تحقق غاياتها ما لم تترجم إلى خطوات ملموسة، تتضمن وقف الإجراءات التي تقوض فرص التسوية، ومحاسبة من ينتهك القانون الدولي، واستخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي بصورة جادة.

وفي المقابل، يواجه الداخل الفلسطيني تحديات تتصل بالانقسام السياسي، وضعف التمثيل الموحد، وتراجع القدرة على التأثير في مسار الأحداث، كما أن المشهد الإسرائيلي شهد تصاعدًا في تبني مواقف رافضة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ويمين رافض، الأمر الذي يضيق مساحة التوافق السياسي ويجعل أي تسوية أكثر صعوبة، أما الموقف العربي، فيجب أن يبقى صامدًا وألا تختلف النوايا لدى البعض.

وفي الغرف المغلقة، بدأ يبرز الحديث عن حل الدولة الواحدة، باعتباره أحد التصورات المطروحة في النقاشات السياسية والفكرية المتعلقة بمستقبل الصراع، غير أن طرح هذا الخيار يفتح أسئلة جوهرية: هل يمثل بديلًا عمليًا لحل الدولتين، وما طبيعة هذه الدولة، وما الأسس الدستورية والقانونية التي ستقوم عليها؟ وكيف ستضمن المساواة الكاملة في الحقوق السياسية والمدنية، وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، بعيدًا عن التمييز أو فرض واقع سياسي على حساب طرف لمصلحة آخر؟

إن الدولة الواحدة ليست مجرد صيغة جغرافية تجمع الفلسطينيين والإسرائيليين في كيان واحد، بل مشروع سياسي وقانوني معقد، تتوقف قابليته للحياة على شكل النظام الدستوري، وطبيعة المواطنة، وضمان الحقوق والحريات، والمساواة أمام القانون.

من هنا، فإن جوهر المسألة لا يكمن في استبدال شعار سياسي بآخر، وإنما في تحديد المسار الذي يضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية ويحول دون تكريس واقع الاحتلال والتجزئة، فحل الدولتين، إذا أريد له أن يبقى خيارًا قابلًا للتطبيق، يحتاج إلى ما هو أبعد من البيانات والمؤتمرات؛ يحتاج إلى آلية دولية واضحة، ذات التزامات محددة وجدول زمني قابل للقياس، تضمن وقف التوسع الاستيطاني، وتحول دون ضم الأراضي أو تغيير وضعها القانوني، وتحمي وحدة الأراضي الفلسطينية، وتدعم قيام دولة مستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

إن المرحلة الراهنة تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي، إما أن تتحول الدعوات المتكررة إلى حل الدولتين إلى خطوات عملية تحمي الأرض والحقوق وتفتح أفقًا سياسيًا جديًا، وإما أن يستمر اتساع الفجوة بين الموقف المعلن والواقع العملي، بما يعمق الشكوك حول إمكان الوصول إلى تسوية عادلة ودائمة.

لذا فإن حماية الأرض الفلسطينية ليست مسألة تفاوضية مؤجلة، بل شرط أساسي لأي تسوية مستقبلية. وإذا كان العالم لا يزال يتمسك بحل الدولتين، فعليه أن يثبت أن هذا التمسك يتجاوز حدود الخطاب، وأنه مستعد لاتخاذ خطوات عملية تحول دون تقويضه، فالسؤال الذي ينبغي أن يواجهه المجتمع الدولي اليوم ليس فقط: كيف نحقق حل الدولتين؟ بل أيضًا: كيف نحمي مقوماته على الأرض قبل أن يصبح الحديث عنه مجرد تمسك بحل لم تعد تتوافر له شروط التطبيق.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية