شبلي يكتب: دلالات الهجوم الإرهابي على كنيسة حمود في محافظة الكرك واستراتيجيات التحصين
الدكتور سعد شاكر شبلي
يمثل الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك يوم 23 أكتوبر 2026، تحولاً لافتاً وتطوراً خطيراً في العمليات الإرهابية داخل الأردن. وذلك لما له من أبعاد عميقة تتجاوز تفاصيل الحادث الميدانية، لتمس صلب الاستقرار الداخلي والموقع الاستراتيجي للأردن في منطقة الشرق الأوسط البالغة الأهمية في المصالح الدولية.
لقد تبلور في أعقاب هذا الحادث مجموعة من الدلالات التي تم استخلاصها من القراءات الأمنية والسياسية على المستوين الرسمي والشعبي، والتي يمكن تناولها وفق الآتي:
الدلالات الرئيسية
تشير الدلالات الرئيسية للحوادث الإرهابية إلى الرسائل المبطنة، والأبعاد الجيوسياسية، والتأثيرات النفسية والاجتماعية التي تتجاوز الخسائر المادية المباشرة للعمل الإرهابي. فالإرهاب في جوهره هو أداة اتصال عنيفة تهدف إلى إرسال رسائل محددة لأطراف متعددة (الحكومات، المجتمعات، أو الأتباع). لذا يمكن تفكيك الدلالات المستخلصة من واقعة الهجوم على كنيسة حمود في محافظة الكرك، وفقاً للآتية:
أولاً: الدلالات الاجتماعية والوطنية (استهداف السلم المجتمعي)
لا يمكن تجاهل أن صناعة الرعب العام يعد الهدف الأول للإرهاب وليس القتل بحد ذاته، وذلك لأن خلق حالة من الخوف والاضطراب النفسي الجماعي تؤثر على سلوك المجتمع اليومي. كما إن ضرب التماسك الاجتماعي لن يأت إلا من خلال إثارة الفتن الطائفية أو العرقية وعبر استهداف مكونات معينة في المجتمع، مما يضعف الجبهة الداخلية للدولة.
هذه الجبهة التي استهدفها الهجوم الإرهابي للتأثير على السلم المجتمعي من خلال رمزية المكان الذي حدث فيه فقد استهدف الهجوم الإرهابي قرية حمود في محافظة الكرك المعروفة بالتعايش الديني التاريخي، وتحديداً مراسم عزاء داخل أحد دور العبادة هناك، ليستهدف ضرب نموذج العيش المشترك الذي يشتهر به المجتمع الأردني. بحيث كشف الهجوم عن عمق حالة التكاتف المجتمعي. إذ أن هذه القرية تمثل نموذجاً تاريخياً لـ"قلعة التعايش الأردني" والتلاحم بين العشائر المسلمة والمسيحية (مثل عشيرة الهلسة). وأن اختيار دار عبادة يعكس سعياً خبيثاً من الفكر التكفيري لإثارة الفتنة الطائفية وشق الصف الأردني.
- توقيت وظروف خبيثة: تعمد الإرهابيون الهجوم أثناء مراسم تشييع جنازة وفي عطلة نهاية الأسبوع لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا الأبرياء بين المدنيين، مما يبرز تجردهم من أي وازع قيمي أو إنساني.
- صلابة النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية: لقد ثبت فشل المساعي الرامية لتمزيق الهوية الوطنية. إذ عكس الالتفاف الشعبي الفوري وتلاحم المسلمين والمسيحيين عمق التضامن والوعي الجمعي في مواجهة محاولات توليد الفتن.
- الالتفاف حول مؤسسات الدولة: تجلى ذلك في الوقوف الشعبي خلف القيادة والأجهزة الأمنية، مما يعزز شرعية واستقرار الجبهة الداخلية ضد التهديدات.
ثانياً: الدلالات الأمنية والتكتيكية
لقد أفصح الهجوم الإرهابي عن تحول في تكتيكات الفكر المتطرف محلياً، حيث:
- الانتقال للمدنيين ودور العبادة: على عكس الهجمات السابقة التي شهدتها محافظة الكرك (مثل أحداث قلعة الكرك عام 2016) أو مدن أخرى والتي ركزت بشكل أساسي على المقرات والدوريات الأمنية، يمثل هذا الهجوم انتقالاً صريحاً نحو استهداف تجمعات مدنية مسيحية داخل القرى.
- عمليات عشوائية أو سريعة التوجيه: أشارت التحقيقات الأولية لمديرية الأمن العام إلى أن المهاجمين أطلقوا النار بشكل لحظي أو عشوائي بناءً على رصد التجمع دون وجود تنظيم معقد ممتد، وهو ما يُعرف بأسلوب الذئاب المنفردة المتأثرة بالفكر التكفيري المنعزل.
- تغير تكتيكات الجماعات المتطرفة: تحول الأهداف نحو التجمعات المدنية ودور العبادة الرخوة (Soft Targets) لإيقاع أكبر قدر من الخسائر وإثارة الرعب المجتمعي.
- سرعة وجدية الحسم العسكري: نجاح الأجهزة الأمنية المشتركة في ملاحقة الجناة وتحديد موقع اختبائهم في منزل مهجور بالكرك والقبض عليهم خلال أقل من 60 ساعة، يعكس الكفاءة الاستخباراتية واليقظة الميدانية للقوات المسلحة والأمن العام.
- الالتفاف الشعبي والرسمي: أفرز الهجوم رد فعل عكسي تماماً لما خطط له الإرهابيون؛ إذ تحولت مراسم التشييع وبيت العزاء إلى مظاهرة وحدة وطنية كبرى شاركت فيها مختلف أطياف المجتمع الأردني وقيادته الهاشمية، مما أكد على صلابة الجبهة الداخلية ضد أي تهديد أمني.
- أهمية الإنذار المبكر والعمل الاستخباري الاستباقي: لقد فرض الحدث مراجعة التدابير الأمنية، والتحقق من آليات الرصد المسبق لإحباط الخلايا التخريبية قبل التنفيذ.
- خلايا نائمة أو ذئاب منفردة: تشير الحادثة إلى احتمالية وجود روابط تنظيمية أو اختراقات تتطلب استراتيجيات أمنية مرنة ومستدامة لملاحقة الفكر والخلايا في آن واحد.
ثالثاً: الدلالات الفكرية
- خطر الفكر التكفيري المنعزل: الهجوم هو نتاج مباشر لخطاب الكراهية والتعصب الذي ينفي حق الآخر في الاختلاف.
- ضرورة المراجعة الشاملة: لا تكفي المقاربة الأمنية وحدها، بل تبرز الحاجة الملحة لمراجعة الخطاب الديني، المناهج التعليمية، والسياسات الثقافية لتحصين الأجيال ضد التطرف.
- حماية رمزية الدين: مواجهة محاولات المتطرفين لتشويه صورة الإسلام واستغلاله لتبرير العنف وإراقة الدماء.
رابعاً: الدلالات الجيوسياسية
- الأردن كحجر زاوية للأمن الإقليمي: يقع الأردن في قلب منطقة مشتعلة بالصراعات، مما يجعله مستهدفاً من أطراف تسعى لإضعاف دوره المحوري وشراكاته الأمنية والدفاعية على المستويين الإقليمي والدولي.
- محاولات استغلال التوترات الإقليمية: تسعى قوى التطرف أو الجهات المستفيدة إلى توظيف بيئة عدم الاستقرار المحيطة للضغط على الساحة الأردنية وإشغال الدولة بأزمات داخلية.
- التنافس الجيوسياسي: أي محاولة لزعزعة استقرار الأردن تُقرأ في سياق السعي لتقليص قدرته على التأثير في الملفات الإقليمية الساخنة، مما يتطلب تمتيناً مستمراً للتحالفات الخارجية والجاهزية الوطنية.
الاستراتيجيات المقترحة لتطوير الفكر التحصيني في المناهج الدراسية
يعد تطوير الفكر التحصيني في المناهج التعليمية الركيزة الأساسية لحماية عقول الطلبة من الأفكار المتطرفة، وخطاب الكراهية، والانسياق وراء الشائعات.
وتتضمن الاستراتيجيات المقترحة لتطبيق هذا الفكر وتضمينه في المنظومة التعليمية ما يلي:
1. استراتيجيات المحتوى وتطوير المادة الدراسية
- تضمين مفاهيم التربية الإعلامية والرقمية: إدراج وحدات دراسية تُعنى بكيفية التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، والتمييز بين الأخبار الحقيقية والشائعات، وفهم آليات الاستقطاب الفكري الرقمي.
- إبراز قواسم العيش المشترك والمواطنة: التركيز في مناهج التاريخ، والتربية الوطنية، والتربية الدينية على إبراز النماذج التاريخية للتعايش، وتعزيز مفهوم "المواطنة الحاضنة للتنوع" كبديل للهويات الفرعية الضيقة.
- تفكيك الفكر المتطرف بالمنطق والعلم: تضمين نصوص فكرية وفلسفية تفكك المفاهيم التكفيرية والمنعزلة بأسلوب علمي ومبسط، وتوضيح زيف المبررات التي تستخدمها الجماعات المتطرفة.
2. استراتيجيات طرق التدريس والتعلم النشط
- تفعيل التفكير الناقد (Critical Thinking): الانتقال من أسلوب التلقين والحفظ إلى أسلوب التحليل والتساؤل. عندما يتعلم الطالب كيف يناقش ويفكك الأفكار، يصبح محصناً تلقائياً ضد أي محاولة لغسل الدماغ.
- المناظرات الطلابية وحل المشكلات: اعتماد أسلوب الحوار والمناظرة داخل الغرفة الصفية حول قضايا مجتمعية معاصرة، مما يدرب الطلبة على تقبل الرأي الآخر واحترام الاختلاف.
- القصة الرقمية والمحاكاة: استخدام دراسات حالة وقصص واقعية لضحايا التطرف أو التضليل الفكري، ومناقشة التبعات الكارثية لهذه الأفكار على الفرد والمجتمع.
3. استراتيجيات البيئة المدرسية والأنشطة اللامنهجية
- برامج الريادة والمبادرات المجتمعية: إشراك الطلبة في أعمال تطوعية تجمع فئات مختلفة من المجتمع، مما يعزز لديهم حس المسؤولية الوطنية والشعور بالانتماء للمجموع.
- تعزيز الفنون والآداب: دعم حصص الفنون، الموسيقى، والمسرح المدرسي؛ فالإبداع والثقافة هما القوة الناعمة الأكثر فاعلية في طرد الفكر المظلم والمتطرف.
4. استراتيجيات الشراكة وتدريب الكوادر
- تحصين المعلم أولاً: إعداد برامج تدريبية مكثفة للمعلمين وأعضاء الهيئة التدريسية لتمكينهم من رصد المؤشرات الأولية للتطرف أو الانعزال لدى الطلبة، وتزويدهم بأدوات الحوار الإيجابي.
- شراكة المدرسة والأسرة والمجتمع: بناء جسور تواصل مستمرة بين المدارس وأولياء الأمور لتنسيق الجهود في مراقبة التحولات الفكرية أو السلوكية لدى الأبناء وحمايتهم مبكراً.







