غنيمات يكتب: من حمود إلى الجنوب السوري الأردن يرسّخ معادلة الردع لحماية أمنه الوطني
طلال غنيمات
في ظل المشهد الإقليمي المضطرب، وما يحيط بالأردن من تحديات أمنية واستراتيجية على مختلف الاتجاهات، لم تعد المملكة مستعدة لتحمل أي تهديد يمس أمنها الوطني أو يستهدف استقرارها الداخلي. فالتطورات المتسارعة في الإقليم، وما تفرزه من تمدد للتنظيمات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة، تفرض على الأردن تبني مقاربة أمنية أكثر حزماً تقوم على استباق المخاطر والتعامل مع مصادرها قبل وصولها إلى الداخل.
وفي هذا السياق، جاءت عملية «الردع الأردني – حمود»، التي نفذها سلاح الجو الملكي الأردني في الجنوب السوري، لتؤكد أن الضربات لم تكن مجرد رد عسكري على الهجوم الإرهابي الذي شهدته محافظة الكرك، وإنما تعبيراً عن توجه استراتيجي يربط بين حماية الجبهة الداخلية ومنع تشكل بؤر تهديد على امتداد الحدود الشمالية للمملكة.
وتكتسب العملية أبعاداً أمنية تتجاوز حدود الرد المباشر، في ضوء ما أُعلن عن ارتباط منفذي هجوم حمود بعناصر إرهابية تنشط في الجنوب السوري، وما يُتداول بشأن صلات محتملة بتنظيم داعش. وهو ما يعيد تسليط الضوء على المخاوف الأردنية من تنامي الخلايا المتطرفة في المناطق المحاذية للحدود، وقدرتها على بناء امتدادات وشبكات إسناد وتوجيه تستهدف الأمن الأردني.
ولم تكن هذه المخاوف وليدة التطورات الأخيرة؛ فقد حذر الأردن مراراً من خطورة تحول الجنوب السوري إلى بيئة حاضنة للتنظيمات الإرهابية وشبكات تهريب المخدرات والأسلحة، انطلاقاً من إدراكه أن استمرار نشاط هذه الجماعات، في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية، يهدد بتحويل المنطقة إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار. ومن هنا، فإن التحذيرات الأردنية لم تكن مجرد مواقف دبلوماسية، بل استندت إلى تقديرات أمنية ترى أن احتواء الخطر في مراحله الأولى أقل كلفة من مواجهته بعد تمدده.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التنسيق الأمني مع الجانب السوري، في ظل ما يُطرح بشأن تحذيرات أردنية نُقلت إلى دمشق على مستويات رفيعة من خطورة تمدد التنظيمات الإرهابية في الجنوب السوري. ووفق هذه القراءة، فإن عدم اتخاذ إجراءات سورية كافية لاحتواء التهديدات دفع الأردن إلى تنفيذ ضرباته الجوية لحماية أمنه واستقراره، ومنع الجماعات المتطرفة من ترسيخ نفوذها وتحويل المناطق المحاذية للحدود إلى ملاذات آمنة ومنطلق لعمليات تستهدف المملكة. ويبقى تحديد طبيعة التنسيق الذي سبق الضربات ومدى الاستجابة السورية للتحذيرات بحاجة إلى تأكيد رسمي.
وتعكس الضربات الجوية انتقالاً في أدوات التعامل مع التهديدات العابرة للحدود، من الاكتفاء بالمراقبة والتحذير والتصدي لمحاولات التسلل والتهريب، إلى استهداف مصادر الخطر عندما تتوافر المعطيات الأمنية التي تستدعي ذلك. كما تحمل رسالة بأن أمن الحدود الأردنية لا ينفصل عن طبيعة الأوضاع الأمنية في المناطق المجاورة، وأن ترك الجماعات المتطرفة تتمدد في الجنوب السوري يمثل تهديداً لا يمكن التعامل معه باعتباره شأناً بعيداً عن المصالح الوطنية الأردنية.
وعلى المستوى السياسي، فإن هذه المقاربة لا تتعارض مع حرص عمان على استقرار سوريا ووحدة أراضيها، بل تنطلق من قناعة بأن استعادة الاستقرار في الجنوب السوري تمثل مصلحة مشتركة للبلدين. غير أن التعاون الإقليمي، مهما بلغت أهميته، لا يلغي حق الأردن في اتخاذ الإجراءات التي يراها ضرورية لحماية مواطنيه ومنع استخدام المناطق الحدودية منطلقاً لأعمال إرهابية أو أنشطة تخريبية.
وفي المحصلة، فإن الرسالة التي تحملها عملية «الردع الأردني – حمود» تتجاوز حدود العملية العسكرية ذاتها، لتؤكد أن الأردن، وسط إقليم تتسع فيه دوائر الصراع وتتداخل فيه التهديدات، ماضٍ في حماية أمنه الوطني وفق معادلة تقوم على اليقظة والردع والاستباق، دون التخلي عن المسارات السياسية والتعاون الأمني مع دول الجوار.
فالأردن الذي يدرك حجم المخاطر المحيطة به، لن يسمح بأن تتحول حالة الاضطراب الإقليمي إلى ثغرة تهدد استقراره، ولن ينتظر وصول الخطر إلى أراضيه حتى يتحرك؛ لأن حماية الأمن الوطني تبدأ بمنع التهديد قبل أن يتحول إلى واقع يصعب احتواؤه.







