نادية سعدالدين تكتب: عندما يرتد الإرهاب خائبا
نادية سعدالدين
خاب الإرهابيون في مرادهم عندما اعتقدوا بإمكانية تمرير أهدافهم التخريبية الانقسامية داخل مجتمع متماسك صلب يلفظ بطبيعته المعتدلة الفكر المتطرف ويعادي مثالب الغلو والتعصب، ويؤمن بالتعدد والاختلاف والتسامح. وهم في ذلك لم يتعلموا الدرس قط؛ فافترضوا أن تبدل السنين وتغير التكتيك والتقدم التقني قد يوفر بيئة هشة للاختراق تساعدهم على تحقيق ما فشلوا به عام 2016 (هجوم قلعة الكرك)، ولكن إستراتيجية خلق الترويع والشرخ المجتمعي لم تنجح أيضا هذه المرة.
فقد ارتد السهم إلى نحر مطلقيه. فباستهداف الكنيسة التي تمثل فضاء رمزيا مشتركا، حاول الإرهابيون ضرب أداة الربط المجتمعي الأقوى المتأصلة في طقوس التشييع والعزاء، لكن النتيجة عاكست توقعاتهم الآثمة، حيث جسد الأردنيون وحدتهم الوطنية بالتلاحم والتكافل المجتمعي والالتفاف الشعبي حول الأجهزة الأمنية، والدعوة لعزل الفكر المتطرف واجتثاثه، وتحولت دماء شهداء الوطن إلى رموز وطنية جامعة.
أما رقميا؛ فقد مارس الأردنيون دور “حراس بوابة” على منصات التواصل الاجتماعي، عبر نبذ الإشاعات ورفض خطاب الكراهية والتحريض، تعبيرا عن المواطنة “الرقمية” الصالحة والوحدة الوطنية والسلوك الدفاعي المنظم الذي يعكس نضج الوعي الجمعي لحماية الجبهة الداخلية وتحصين الأمن القومي ضد الفكر المتطرف.
وهذا بلا شك يشكل إفلاسا أيديولوجيا متطرفا يفشل في قراءة طبيعة المجتمعات الحية حينما يرتد في كل مواجهة ليتحول إلى عامل تحفيز مجتمعي مضاد لمحاربته وبناء صلب للوحدة الوطنية عوضا عن تفكيكها كما خطط لها.
ولكنه أيضا؛ يعد الوصفة الجاهزة المثلى لنبذ الفكر المتطرف عندما لا يجد البيئة الحاضنة لما يجب بداخله من نزعات العنف والتعصب والإرهاب. فهي علاقة تتابعية وشيجة تربط بينهم وتقود إلى تبعات مجتمعية جسيمة، فالتطرف مجبول بالعنف، عند تحوله من فكر إلى سلوك ظاهري وعمل عنيف لتحقيق مكاسب سياسية معينة، ولدى التزامه ناصية التعصب الفكري الذي يقود إلى الإرهاب، بوصفه الاستخدام المنهجي للعنف، لخلق مناخات الخوف والذعر والترهيب لدى السكان وقتل المدنيين، بما يعني، في المحصلة، تهديد السلم والأمن المجتمعي.
ولأن الحركات المتطرفة تتغلغل من بين ثنايا الفكر المنغلق ومزاعم امتلاك “الحقيقة المطلقة”، لا سيما عبر منابر التدفق المعلوماتي المغلوط لاستقطاب الصفوف الشبابية تحديدا إلى عالمها الإرهابي، فإن الإشكالية هنا لا تقف فقط عند حدود المتطرف المنفذ (الأداة)، فهناك المتطرف المتعاطف (المتلقي للأفكار) الذي يتأثر بالمخططين وينقل رسالتهم للغير والتأثير بهم لتنفيذ المخططات الإجرامية، بالإضافة إلى المتطرف المخطط (المنظر)، وهو من أخطر الفئات لأنه المسؤول عن التخطيط للأعمال الإجرامية وتجنيد بعض الشباب لتنفيذها.
وهذا يعني، أن الفكر المتطرف قد يتحول إلى سلوك ظاهري أو عمل إرهابي، فيلجأ إلى استخدام العنف كوسيلة لتحقيق الأهداف المتطرفة، وقد يقوم بذلك بنفسه كـ”ذئب منفرد” أو من خلال الانتظام ضمن جماعة أو حركة تنظيمية، تبث في ذهنه أفكارها المتطرفة، إما عبر الاتصال المباشر أو من خلال الإنترنت والشبكات الاجتماعية، من أجل تحقيق أهدافها الإرهابية، حيث لا توجد هنا أي حدود فاصلة بين اعتناق الفكر المتطرف، أيا كانت درجة تطرفه، وبين ممارسة النشاط الإرهابي.
إن التطرف الديني انحراف في الحياة الدينية، وانحراف بالدين وتحريف له، فروح الدين هي الوصل والاتصال والتواصل، وليس قطع الصلات والنزوح صوب الأطراف، وهو انحراف عن معايير العدالة وابتعاد عن تحكيم العقل وأسس التفكير العقلاني والموضوعي في التقييم، رغم أن الدين اتصال عمودي مع المفارق، وانفتاح أفقي على المحايث، وإيمان بالتعدد والاختلاف والتنوع، هكذا هي روح الدين، حيث لا صوت فيه يعلو على صوت الإنسانية. أما التعصب لتصور محدد، والتشدد في تأويل معين، والتحزب حول فكرة ما، فذاك ديدن أعداء الإنسان، وأعداء الإنسانية المنفتحة، الذين يوظفون الدين للترويج للفكر المنغلق والمتعصب.
ولأن للفكر المتطرف آثارا مدمرة للأمن والسلم المجتمعي؛ فإن المعالجة لا بد وأن تكون وطنية شاملة. فإلى جانب المعالجة الأمنية، يستلزم تفكيك التصورات الأصولية العنفية والبؤر التكفيرية، باستخدام أدوات النقد والتحليل لتفنيد ادعاءات الأفكار التي يحملها المتطرفون، وتقديم أطروحة معاكسة تقوم على شرعية احترام الاختلاف والتباين الفكري والعقائدي، ونبذ العنف والتطرف، وتحرير العقل الإنساني من القيود المانعة لها، بما يجعلها مواجهة وطنية ضارية ضد الفكر المتطرف.







