اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

السبايلة يكتب: إعادة هندسة الأمن بالتزامن مع إعادة بناء الثقافة المجتمعية

{title}
أخبار الأردن -

د.عامر سبايلة

تدخل المنطقة اليوم مرحلة جديدة من المواجهة، عنوانها الأبرز محاولة إعادة نشر الفوضى، في ظل سعي إيران إلى استخدام أدواتها الإقليمية لتهديد الأمن والاستقرار، وإثبات قدرتها على توسيع دائرة المواجهة. وتأخذ هذه المرحلة أشكالاً متعددة، تبدأ بإطلاق الصواريخ والمسيّرات واستهداف الملاحة، وتمتد إلى ضرب منشآت الطاقة ومصادرها وبدائلها، وصولاً إلى استهداف الطيران المدني والمطارات، وربما تفعيل الخلايا الموجودة على الأرض.


وتزداد أهمية هذه التحديات في ظل الضغوط التي تواجهها طهران واحتمالات انتقال المواجهة مع الولايات المتحدة إلى مرحلة أكثر حسماً. فالشعور بتضييق الخيارات قد يدفع إيران إلى استخدام أكبر قدر ممكن من أوراق الضغط والتأثير، بما يرفع كلفة المواجهة على دول المنطقة ويفتح ساحات جديدة للتصعيد. وما يجري في البحر الأحمر، وما تتعرض له السعودية ودول الخليج من تهديدات، وما يحدث في الجغرافيا المحيطة بإسرائيل، كلها مؤشرات على اتساع طبيعة المواجهة وتعدد ساحاتها، بما يفرض على دول المنطقة الاستعداد لسيناريوهات تتجاوز حدود التصعيد العسكري المباشر.
والأردن ليس بعيداً عن هذا التحدي. فمحاولات استغلال الظروف الإقليمية لتفعيل الشبكات الداخلية أو التأثير في الاستقرار المجتمعي تفرض التعامل مع الأمن الوطني باعتباره منظومة متكاملة، لا تقتصر على حماية الحدود والمؤسسات، بل تشمل أيضاً حماية السلم الأهلي ومنع تحويل الضغوط الخارجية إلى انقسامات داخلية. ومن هنا، فإن حماية الاستقرار الأردني يجب أن تكون جزءاً أساسياً من التفكير الاستراتيجي للمرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية تتزايد فيها احتمالات انتقال المواجهة من ساحة إلى أخرى.
لكن التحدي الأهم لا يرتبط فقط بكيفية التعامل مع التصعيد الحالي، وإنما بضرورة إعادة النظر في مفهوم الأمن نفسه. وهنا يبرز مفهوم «إعادة هندسة الأمن» باعتباره أحد المحاور الأساسية في ظل تحديات متغيرة ومتعددة، والحاجة إلى تطوير قدرة الدولة على مواجهة التهديدات والأفخاخ والتأثيرات التي تستهدف المجتمع، وليس فقط مؤسسات الدولة. فالمطلوب هو الانتقال من التعامل مع التهديد بعد وقوعه إلى بناء قدرة استباقية على احتوائه، بالتوازي مع تعزيز مناعة المجتمع وثقته بمؤسساته.
ولهذا، لا يمكن فصل الاستراتيجية الأمنية عن الاستراتيجية الثقافية. فاستعادة المجتمع لا يمكن أن تتم فقط عبر الأدوات الأمنية، وإنما عبر بوابة الثقافة وإعادة بناء الثقة داخل المجتمع. إن قدرة الدولة على مواجهة التهديدات لا ترتبط فقط بكفاءة مؤسساتها، بل أيضاً بمدى تماسك المجتمع وقدرته على مقاومة محاولات الاستقطاب والتأثير الخارجي. فكلما تراجعت الثقة واتسعت الانقسامات، أصبحت البيئة الداخلية أكثر عرضة للاستغلال، وازدادت صعوبة مواجهة التحديات، حتى عندما تمتلك الدولة الأدوات اللازمة للتعامل مع التهديدات المباشرة.
وعلى الدولة أن تدرك أن التأخر في هذه العملية يعني زيادة حجم التهديدات، والوصول إلى مرحلة قد يصبح التعامل معها أكثر صعوبة. والمطلوب اليوم ليس فقط إجراء مراجعات أمنية وتغيير العقلية والنهج، وإنما التفكير في طرق متعددة لمواجهة التحديات، بالتوازي مع إعادة صياغة العلاقة بين الأمن والمجتمع. فالأمن المستدام لا يقوم على الإجراءات الأمنية وحدها، بل يحتاج إلى بيئة مجتمعية قادرة على استيعاب الاختلاف، وتعزيز الانتماء، والحفاظ على الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
والأهم أن تتوازن إعادة هندسة الإستراتيجيات الأمنية مع إعادة إنتاج الثقافة المجتمعية؛ أي الانتقال من ثقافة التخوين والانفراد بالرؤية والتهديد إلى ثقافة التنوع والقبول بالاختلاف. وهذه العملية لا يمكن أن تبدأ بأدوات فردية أو مبادرات محدودة، بل تحتاج إلى قرار سياسي واضح ورؤية دولة طويلة الأمد، تتكامل فيها الأدوات الأمنية والثقافية والاجتماعية، ضمن مسار لا يرتبط بالأزمات وحدها، بل يستهدف بناء قدرة مستدامة على مواجهة التحديات.
نحن، في النهاية، أمام مسارين متوازيين: إعادة هندسة الفكر الأمني من جهة، وإعادة إنتاج الثقافة المجتمعية من جهة أخرى. والنجاح في أحدهما دون الآخر لن يكون كافياً لمواجهة التحديات القادمة. فالدولة القادرة على حماية أمنها ليست فقط تلك التي تستطيع إحباط التهديدات، بل تلك التي تحافظ على تماسك مجتمعها، وتمنع تحول الضغوط الخارجية إلى أزمات داخلية تهدد استقرارها على المدى الطويل.


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية