شبلي يكتب: جدلية التنظيم البشري والتوازن الدولي: من العقد الاجتماعي إلى الانتحار الجيوسياسي
الدكتور سعد شاكر شبلي
مقدمة: غريزة التنظيم وضرورة القيادة
يقوم الوجود الإنساني منذ الأزل على ثنائية التنظيم والمسؤولية. فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، ولا يمكن للمجتمعات البشرية أن تستقيم وتستمر دون وجود هيكلية تنظيمية تضمن انسيابية الحياة، وتدرجاً في القيادة يبدأ من أصغر التجمعات الإنسانية الحاضنة ويتسامى حتى يصل إلى قمة الهرم المتمثل في النظام الدولي. إذ لا يعيش الإنسان في عزلة؛ فالوجود البشري في جوهره وجود جماعي محكوم بغريزة البقاء وتلبية الاحتياجات الإنسانية. ومنذ أن خطت البشرية خطواتها الأولى، أدركت أن غياب المعايير المنظمة يقود حتماً إلى الفوضى أو ما سماه الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز "حالة الطبيعة"، حيث تكون الحياة "عنيفة، وقصيرة، وصراعاً للكل ضد الكل".
ولتفادي هذا المصير، طوّرت المجتمعات الإنسانية بشكل تلقائي وديناميكي أنماطاً من الهياكل التنظيمية والتمثيلية. وتكشف الملاحظة العميقة لشتى البيئات البشرية أن فكرة "الوساطة التنظيمية" أو تفويض فرد لرعاية شؤون الجماعة هي قانون عام عابر للأزمنة والأماكن، يبدأ من أبسط التجمعات العفوية ويتدرج صعوداً حتى يبلغ قمة الهرم في العلاقات الدولية.
أولاً: التأصيل الفلسفي والاجتماعي للتنظيم (التمثيل التلقائي والمؤسسي)
تنبثق القيادة والتنظيم في البيئات الاجتماعية المختلفة استجابةً لحاجة وظيفية واضحة: إما لحفظ الأمن، أو لتوزيع الموارد، أو لتمثيل الجماعة أمام سلطة أعلى. ويمكن تصنيف هذا التدرج إلى ثلاثة مستويات رئيسية:
- البيئات المصغرة والمغلقة (التنظيم التلقائي لحفظ الاستقرار)
إذا أمعنا النظر في الأوساط المختلفة التي يعيش فيها البشر، نجد أن "فكرة التمثيل والوساطة التنظيمية" هي قانون عام يفرض نفسه لحفظ الاستقرار وتسيير الشؤون اليومية، حيث نلاحظ ذلك في:
- المحيط التربوي (عريف الصف): في المدارس، يمثل "مراقب الصف" أول تجربة عملية للطفل مع مفهوم السلطة المفوّضة. هو ليس مجرد أداة ضبط، بل حلقة وصل لحماية مصالح زملائه وتنظيم مطالبهم أمام الإدارة، وبدونه تتحول الغرفة الصفية إلى بيئة مشتتة تعيق العملية التعليمية.
- البيئات المقيدة (السجون): يُظهر مجتمع النزلاء بوضوح كيف أن التنظيم غريزة بشرية حتمية؛ فحتى في غياب الحرية، يفرز السجناء بصورة ذاتية قيادة داخلية (ما يُعرف تاريخياً أو عرفياً بـ"شاويش الغرفة" أو ممثل الجناح) لإدارة الفضاء المشترك، وفض النزاعات اليومية، والتفاوض مع إدارة السجن. غياب هذا الدور يعني سيادة قانون الغاب والبطش بين السجناء أنفسهم.
- البنى الاجتماعية والتقليدية (السلطة الطبيعية والعرفية)
- الفضاء المدني والسياسي الحديث (العقد الاجتماعي المُمأسس)
- قمة الهرم (المنظمات الدولية ونظام التوازن العالمي)
- الحالة الأوكرانية: اختلال الحسابات والصراع بالوكالة
- تايوان وأزمة البوصلة الجيوسياسية في شرق آسيا
- صراعات الشرق الأوسط والقوى الإقليمية المتطرفة
وهي شبكة العلاقات، والقيم، والمؤسسات، والعادات التي تُنظم حياة الأفراد داخل مجتمع معين، وتُحدد أدوارهم وسلوكياتهم بناءً على الموروث التاريخي والثقافي، وتظهر فيها أدوار كل من:
- النواة الأسرية (رب الأسرة): سوسيولوجياً، تعتبر الأسرة الخلية الأولى للمجتمع. ويمثل "رب الأسرة" سلطة الرعاية والحماية والتوجيه والاقتصاد، حيث يتنازل الأفراد طواعية عن جزء من استقلاليتهم لصالح القيادة الأبوية أو المشتركة لضمان استقرار العيش.
- المحيط العشائري والقبلي (رئيس القبيلة): في المجتمعات التقليدية، يبرز شيخ القبيلة كصمام أمان. سلطته مستمدة من العرف والقبول الاجتماعي، ووظيفته الأساسية هي نزع فتيل الأحقاد، وحل الخصومات، وحفظ التوازن الاجتماعي بين المكونات المتنافسة من خلال تطبيق "القانون العرفي".
هو البيئة والقنوات التي تتيح للمواطنين والأفراد المشاركة الفعالة في صياغة الحياة السياسية والاجتماعية لمجتمعاتهم، سواء كان ذلك عبر الإنترنت أو على أرض الواقع، وتبدو في كل من:
- المجالس المحلية والبلدية: تمثل الإدارة الذاتية للمجتمعات المحلية، ووظيفتها تحويل متطلبات العيش اليومي (البنية التحتية، الخدمات، البيئة) إلى خطط عمل ملموسة.
- المجالس النيابية والبرلمانات: هنا تتبلور نظرية "العقد الاجتماعي" عند جان جاك روسو وجون لوك بأبهى صورها؛ حيث تختار الشعوب ممثليها لينوبوا عنها في السيادة والتشريع ورقابة السلطة التنفيذية، مما يضمن ألا تنفرد الحكومت بالقرار.
وتتمثل في مركز الثقل الحقيقي للسلطة والنفوذ وصناعة القرار الفعلي في النظام الدولي. على الرغم من أن النظام الدولي يبدو قانونياً كمنظومة قائمة على المساواة بين الدول، إلا أنه عملياً يدار بهيكل هرمي تتربع على رأسه فئة محدودة تمتلك القدرة على توجيه السياسة العالمية وتطبيق نظام التوازن. بمعنى أنه لعدم وجود "حكومة عالمية" مركزية، أنشأت البشرية المنظمات الدولية (كالأمم المتحدة ومؤسساتها) لتكون إطاراً ناظماً للسلم والأمن وحقوق الإنسان. وفي ظل القوانين الدولية، تبرز الدول الكبرى كفاعلين أساسيين يقع على عاتقهم صياغة "التوازن الدولي" (Balance of Power). هذا التوازن ليس خياراً رفاهياً، بل هو ضرورة حتمية لمنع القوى الكبرى من الاصطدام الشامل، وضمان ألا يؤدي صراع الإرادات إلى فناء البشرية.
ثانياً: التحليل السياسي والجيوسياسي للأزمات الراهنة وظاهرة "الشطط"
إذا كان الهدف الأسمى لكل مستويات التنظيم السابقة هو "الحفاظ على المجموع وتجنيبه الهلاك"، فإن الأزمات الدولية المعاصرة تكشف عن معضلة جيوسياسية خطيرة: خروج بعض القيادات السياسية عن قواعد التوازن العقلاني، وتبني مواقف متشددة ومتطرفة تفوق القدرات الذاتية لدولهم، مما يحوّل بلدانهم إلى ساحات حروب مدمرة بالوكالة.
تُعد الأزمة الأوكرانية النموذج الأبرز في العصر الراهن لـ"الشطط السياسي" الناجم عن إساءة قراءة موازين القوى الجيوسياسية، حيث:
- تجاهل الحتمية الجغرافية: جغرافياً وسياسياً، تقع أوكرانيا في منطقة "عازلة" حساسة للغاية بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو). تقتضي العقلانية السياسية والتاريخية أن تتبنى القيادة في كييف سياسة "الحياد الإيجابي" لتعظيم مكاسبها الاقتصادي من الطرفين وحماية شعبها.
- الارتهان للأجندات الخارجية: انخرطت القيادة الأوكرانية الحالية في تبني سياسات أمنية وعسكرية تخدم بالدرجة الأولى استراتيجيات الاحتواء الغربية والأوروبية ضد روسيا، مدفوعة بوعود بالدعم المطلق والدمج في المنظومة الغربية.
- النتيجة الكارثية: أدى هذا الإصرار المتصلب إلى انفجار الصراع العسكري، وتحول أوكرانيا إلى ساحة حرب استنزاف طاحنة. وبينما تدرس القوى الكبرى توازناتها ومصالحها العليا، يواجه الشعب الأوكراني حقيقة موضوعية قاسية: دمار هائل في البنية التحتية، وخسارة أجزاء حيوية من الأراضي، وهجرة الملايين، وتحول بلادهم إلى رهينة لمساعدات خارجية قد تتأثر بالتقلبات السياسية في العواصم الغربية، مما يمثل تجسيداً للفجوة بين طموحات القيادة الأيديولوجية وتطلعات الشعب في السلام والنماء.
تعيش منطقة شرق آسيا خطوط صدّ ممثلة؛ حيث تضغط قوى غربية لدفع تايوان نحو تبني مواقف أكثر حدة وتصلباً في مواجهة الصين القارية.
- تدرك النخب العاقلة في تايوان أن الإصرار على كسر "الوضع القائم" وإعلان الاستقلال الصريح تلبيةً لرغبات قوى دولية تسعى لمحاصرة بكين، سيعني فوراً مواجهة عسكرية غير متكافئة ستدمر واحدة من أكفأ البيئات الاقتصادية والتكنولوجية في العالم.
- هنا تتجلى أهمية كبح الشطط السياسي، حيث تظل المحافظة على التوازن الدقيق والتفاهمات الضمنية هي الضمانة الوحيدة لمنع تحول تايوان إلى "أوكرانيا ثانية".
في منطقة الشرق الأوسط، يظهر الشطط السياسي عندما تُرهن دول أو فصائل ومكونات محددة قرارها الوطني لصالح مشاريع إقليمية أو دولية توسعية.
- إن تبني مواقف أيديولوجية متشددة لا تأخذ في الحسبان اختلال موازين القوى العسكرية والتكنولوجية، يورد الشعوب المهالك كما نرى في بؤر صراع متعددة، حيث تدفع المجتمعات أثماناً باهظة من دمائها واستقرارها نتيجة حسابات سياسية مغامِرة غير محسوبة العواقب.
ثالثاً: القوانين الحاكمة للسياسة الدولية ومخاطر إهمالها
يقدم علم العلاقات الدولية تفسيراً واضحاً لسبب سقوط الدول في هذه المهالك عندما تتجاهل قياداتها طبيعة النظام الدولي:
- الواقعية السياسية (Political Realism) : تؤكد هذه المدرسة (من ثوسيديديس إلى هنري كيسنجر وجون ميرشايمر) أن النظام الدولي يقوم على القوة وليس على الأخلاق أو الوعود الشفهية. المبدأ التاريخي الأساسي يقول: "القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يعاني ما يجب عليه أن يعانيه". عندما تتجاهل دولة متوسطة أو صغيرة هذا المبدأ وتستفز قوة عظمى مجاورة استناداً إلى "وعود حلفاء بعيدين"، فإنها ترتكب خطأً استراتيجياً مميتاً.
- معضلة الأمن (Security Dilemma) : عندما تقوم دولة ما بخطوات تراها "دفاعية ومشروعة" (مثل السعي للانضمام لحلف عسكري)، لكن جارتها الكبرى تراها "تهديداً وجودياً" لأمنها القومي، فإن النتيجة الحتمية هي الصدام العسكري ما لم يتم اللجوء إلى الدبلوماسية المرنة وتفهم مخاوف الطرف الآخر.
- أكاذيب "حروب الوكالة" (Proxy Wars) : عبر التاريخ، تستخدم الدول العظمى الدول الصغرى كـ"بيادق" على رقعة الشطرنج الجيوسياسية لاستنزاف خصومها. الكارثة تكمن في أن البيدق يتم التضحية به دائماً في سبيل حماية الملوك؛ والقيادة السياسية التي لا تدرك أنها مجرد أداة في صراع دولي أكبر، تقود شعبها نحو الانتحار الجماعي.
الخاتمة
إن الحكمة القيادية في أي مستوى – بدءاً من إدارة صف مدرسي وصولاً إلى قيادة دولة – تتطلب إدراكاً عميقاً لحدود القوة وفهماً دقيقاً لبيئة التوازنات المحيطة. والشطط السياسي أو تبني مواقف تفوق قدرة الدولة على الاحتمال، بذريعة الاستقواء بالخارج، لا يؤدي إلا إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وهلاك الشعوب التي من المفترض أن تكون هي الغاية الأسمى لأي فعل سياسي.
إن الشطط السياسي والافتتان بالوعود الخارجية، وتجاهل حقائق الجغرافيا والتوازن الدولي، هو خروج صريح عن الناموس الطبيعي للتنظيم البشري. وفي عالم اليوم المعقد، تظل العقلانية، والمرونة الدبلوماسية، وتقديم مصلحة الشعوب الحقيقية في العيش بأمان وفوق كل اعتبار، هي طوق النجاة الوحيد للحفاظ على كيانات الدول وحماية إرث البشرية من الفناء.







