على الأردن والدول العربية تدارك ما يحدث قبل فوات الأوان
قال أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور بدر الماضي إن توظيف إيران للحوثيين في التصعيد عند مضيق باب المندب يعكس استراتيجية تتجاوز حدود المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتسعى إلى نقل الصراع إلى الممرات البحرية الحيوية، بما يوسّع نطاق الضغط ليشمل الاقتصاد العالمي ودولًا إقليمية محورية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن طهران، بعدما أظهرت التطورات أهمية مضيق هرمز في التأثير على حركة الطاقة والأسواق الدولية، قد تكون معنية بتوسيع دائرة التهديد لتشمل باب المندب، بالنظر إلى دوره في حركة البضائع المتجهة إلى أوروبا والشرق الأوسط، فضلًا عن انعكاساته المباشرة على قناة السويس والاقتصاد المصري.
وبيّن الماضي أن الاستراتيجية الإيرانية القائمة على نقل المواجهة إلى خارج الحدود ليست جديدة، بل تمتد، بحسب تقديره، إلى ما بعد عام 1979، عبر بناء قوى حليفة وأذرع إقليمية تُستخدم لتعزيز النفوذ والضغط على الخصوم، مستطردًا أن حزب الله في لبنان، والنظام السوري السابق، والحوثيين في اليمن، إلى جانب القوى التي تعزز نفوذها في العراق بعد عام 2003، شكّلت محطات مختلفة في هذا المسار، الذي يقوم، وفق رؤيته، على إضعاف الدولة الوطنية وتعزيز قوى موازية تمتلك ارتباطات استراتيجية بطهران، بما يمنحها قدرة على التأثير في ساحات إقليمية متعددة دون حصر المواجهة داخل أراضيها.
وأضاف أن الحوثيين لا يمثلون، في الحسابات الإيرانية كما يراها، مجرد قوة محلية في اليمن، وإنما ورقة استراتيجية يمكن توظيفها في الضغط على المملكة العربية السعودية، وإثارة القلق في الخليج، وتهديد الممرات البحرية ذات الأهمية الدولية، مشددًا على أن فهم الدور الحوثي يقتضي وضعه ضمن سياق أوسع يتصل بمساعي إيران إلى توسيع نفوذها الإقليمي، إذ إن استهداف السعودية أو تهديد أمن الملاحة في باب المندب لا يمكن فصلهما عن حسابات جيوسياسية تتجاوز حدود اليمن، وتمتد إلى توازنات الشرق الأوسط ومصالح القوى الدولية.
ولفت الماضي إلى أن تحريك الحوثيين في هذا التوقيت قد يعكس، وفق تقديره، محاولة إيرانية لتوسيع الجغرافيا التي تدور فيها المواجهة، ولا سيما مع تصاعد الضغوط الاقتصادية على طهران، مضيفًا أن نقل التوتر إلى باب المندب من شأنه أن يفتح جبهة ضغط إضافية، لا تقتصر تداعياتها على أسواق الطاقة، وإنما تطال خطوط التجارة الدولية وحركة البضائع، وتضع مصر أيضًا أمام تحديات مرتبطة بأمن قناة السويس ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
وفي سياق متصل، رأى أن التصعيد الحوثي يندرج ضمن مشهد أوسع باتت فيه التحالفات الإقليمية مرشحة لإعادة التشكل، مع تزايد المخاوف من تداعيات السياسات الإيرانية على أمن دول المنطقة ومصالحها، مضيفًأ أن سلوك طهران عبر القوى الحليفة لها قد يدفع دولًا عربية وإقليمية إلى تقارب أكبر، انطلاقًا من إدراك مشترك بأن التهديدات العابرة للحدود تستدعي تنسيقًا أمنيًا وسياسيًا أكثر فاعلية، وأن التحالفات التي تتشكل على وقع الحرب الحالية قد يتجاوز أثرها احتواء التصعيد الآني إلى إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية على المدى الأبعد.
وأشار إلى أن حسابات القوى الدولية، ولا سيما الولايات المتحدة والصين وروسيا، ستظل عاملًا مؤثرًا في مسار المواجهة، في ظل تشابك المصالح التجارية وأمن الطاقة والتوازنات السياسية، إذ طرح تساؤلات بشأن أولويات الصين الاقتصادية والاستراتيجية، معتبرًا أن حجم مصالحها مع المملكة العربية السعودية ودول المنطقة قد يكون عنصرًا مهمًا في تحديد مواقفها من التصعيد، في مقابل علاقاتها مع إيران.
ورأى أن المرحلة الراهنة قد تفضي إلى تحولات في مواقف القوى الدولية، بما ينعكس على هامش الحركة المتاح أمام طهران وقدرتها على مواصلة استراتيجية الضغط الإقليمي.
وفي قراءته للعلاقات الخليجية، أشار الماضي إلى أن الخلافات السابقة بين بعض الدول الخليجية بشأن الملف اليمني أثّرت في تماسك الموقف تجاه الحوثيين، لافتًا إلى أن دعم أطراف مختلفة في جنوب اليمن أسهم، بحسب تقديره، في تعقيد الحسابات السعودية خلال السنوات الماضية، مضيفًا أن التقارب نحو استراتيجية أكثر تنسيقًا في هذا الملف قد يساعد على معالجة جوانب من التباين السابق، ويعزز فرص بناء مقاربة مشتركة للتحديات الأمنية في اليمن والمنطقة.
وخلص إلى أن تطورات باب المندب ينبغي النظر إليها بوصفها جزءًا من صراع أوسع على النفوذ والممرات البحرية والتوازنات الإقليمية، معتبرًا أن توسيع المواجهة لتشمل طرق التجارة الدولية قد يرفع كلفتها على أطراف متعددة، ويمنحها أبعادًا اقتصادية واستراتيجية تتجاوز ساحات الاشتباك المباشر، في وقت تدفع فيه هذه التطورات دول المنطقة إلى إعادة تقييم تحالفاتها وأولوياتها الأمنية.






