"عارف مع مين بتحكي؟"... هل تتفوق على القانون في الأردن؟
حذّر الأكاديمي الدكتور يوسف الربابعة من خطورة تنامي السلوكيات التي تستند إلى النفوذ الاجتماعي والعائلي لفرض القوة على الآخرين، مشيرًا إلى أن عبارة"عارف مع مين بتحكي؟" تعكس، في بعض المواقف، شعورًا بالتفوق على القانون ومحاولة لاستخدام المكانة الاجتماعية وسيلة للضغط على الآخرين وإجبارهم على التراجع عن حقوقهم.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن هذه العبارة تثير تساؤلات تتجاوز حدود الموقف الذي تُقال فيه، لتصل إلى طبيعة التربية التي يتلقاها الأبناء، والصورة التي تتشكل لديهم عن السلطة والنفوذ، ومدى إدراكهم أن المواقع العامة لا تمنح أصحابها أو أفراد أسرهم حقًا استثنائيًا في التعامل مع الناس أو تجاوز القواعد القانونية والأخلاقية.
وبيّن الربابعة أن بعض الوقائع التي تُروى في هذا السياق تستدعي التوقف عند أثر البيئة الأسرية والاجتماعية في تشكيل سلوك الشباب، خصوصًا عندما يصبح اسم العائلة أو موقع أحد الوالدين وسيلة لاستعراض القوة بدلًا من أن يكون دافعًا إلى مزيد من المسؤولية والانضباط.
وأشار إلى واقعة نقلها عن أحد المعلمين في مدرسة خاصة، قال فيها إن ثمانية طلبة من المرحلة الثانوية، ينتمون إلى مدرسة خاصة أخرى، حضروا إلى محيط المدرسة بقصد الاعتداء على طلاب فيها، على خلفية خلاف سابق.
وبحسب الرواية التي أوردها الربابعة، فإن الطلبة وصلوا بسيارات عائلية يقودها سائقون، وكان من بينهم، وفق ما نقله عن المعلم، أبناء أعضاء في مجلس النواب الحالي والسابق، مضيفًا أن المعلم حاول التعامل مع الموقف، محذرًا من الاتصال بالشرطة، قبل أن يواجه ردًا من أحد الطلاب قال فيه: "اتصل زي ما بدك، إنت عارف ابن مين أنا؟".
ونوّه إلى أن دلالة هذه العبارة لا تقتصر على التهديد الذي قد تحمله في موقف معين، فهي تمتد إلى العقلية التي قد تقف خلفها، حين يعتقد صاحبها أن مكانة أسرته تمنحه قدرة على تجاوز الآخرين أو تجنّب المساءلة.
وشدد الربابعة على أن مثل هذه السلوكيات، إذا ثبتت تفاصيلها، تستدعي مراجعة جادة لمفاهيم التربية والمسؤولية، لافتًا إلى أن أبناء أصحاب المواقع العامة ينبغي أن يكونوا أكثر إدراكًا لحساسية سلوكهم، لا أن يتعاملوا مع مواقع ذويهم باعتبارها مصدرًا للامتياز أو الحماية من نتائج الأفعال.
الربابعة: الأسرة هي المدرسة الأولى في احترام القانون
وقال إن الأسرة تؤدي دورًا أساسيًا في بناء وعي الأبناء تجاه السلطة والحقوق والواجبات، موضحًا أن ما يشاهده الأبناء من ممارسات الكبار يترك أثرًا في طريقة تعاملهم مع الآخرين، ولا سيما عند الاختلاف أو الدخول في نزاع.
وأضاف أن الطفل الذي يرى والديه يحترمان القانون، ويقبلان المساءلة، ويتعاملان مع الآخرين على أساس المساواة، يتعلم أن المكانة لا تبرر التجاوز، وأن الحقوق لا تُكتسب باستعراض القوة، وفي المقابل، فإن الاعتياد على استخدام العلاقات الشخصية لتجاوز الإجراءات أو الضغط على الآخرين قد يرسخ لدى بعض الأبناء اعتقادًا بأن النفوذ بديل عن القانون.
وأشار الربابعة إلى أن مسؤولية الأسرة لا تنفصل عن دور المدرسة والمجتمع، فالسلوك الفردي يتأثر بعوامل متعددة، لكن التربية تبقى منطلقًا أساسيًا في غرس قيم احترام الآخرين، وضبط النفس، وتحمل نتائج القرارات والأفعال.
وبيّن أن الموقع الذي يشغله الأب أو الأم في الحياة العامة لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتبرير سلوك الأبناء أو التدخل لمنع مساءلتهم، مستطردًا أن المنصب مسؤولية تتطلب الالتزام بالقواعد، ولا يمنح الأسرة سلطة إضافية على بقية أفراد المجتمع.
"كبير القوم خادمهم"... المكانة مسؤولية وليست استعلاءً
واستحضر الربابعة المبدأ الاجتماعي الذي يقول إن "كبير القوم خادمهم"، معتبرًا أن المكانة الحقيقية ترتبط بخدمة الناس، والتواضع في التعامل معهم، والقدرة على احتواء الخلافات وتحقيق العدالة، لا بفرض الهيبة من خلال النفوذ أو التهديد.
وأضاف أن صاحب المكانة الاجتماعية أو السياسية يُفترض أن يكون قدوة في احترام الآخرين والالتزام بالقانون، وأن ينعكس موقعه إيجابًا على سلوك أسرته، بدلًا من أن يتحول إلى أداة لاستعراض القوة أو المطالبة بمعاملة استثنائية.
ولفت الربابعة إلى أن الخلل يبدأ عندما يُختزل الاحترام في الخوف من اسم العائلة أو موقع صاحبها، وعندما يصبح الطرف الآخر مضطرًا إلى حساب نفوذ الشخص الذي أمامه قبل أن يطالب بحقه. فالعلاقات الاجتماعية، بحسب هذا المعنى، ينبغي أن تعزز التكافل والمسؤولية، لا أن تتحول إلى وسيلة لفرض تفاوت في الحقوق والواجبات.
ونبّه إلى أن المسؤولية العامة تفرض على أصحاب المواقع السياسية والاجتماعية التزامًا أخلاقيًا يتجاوز حدود الأداء الوظيفي، لأن سلوكهم ينعكس على ثقة المجتمع بالمؤسسات، وعلى الصورة التي يحملها الجيل الجديد عن السلطة وحدودها.
الربابعة: لا حصانة عائلية خارج القانون
وقال الربابعة إن المساواة أمام القانون تقتضي الفصل بين المكانة الاجتماعية للفرد وبين حقوقه وواجباته، مشددًا على أن الانتماء إلى أسرة ذات نفوذ لا يمنح صاحبها حقًا في التهديد أو الاعتداء أو التأثير في إجراءات المساءلة.
وأضاف الربابعة أن التعامل مع أي واقعة من هذا النوع يجب أن يستند إلى التحقق من ملابساتها، والاستماع إلى الأطراف المعنية، واتخاذ الإجراءات المناسبة وفق القانون، بعيدًا عن التستر أو التهويل أو إطلاق الأحكام على أساس الانتماء العائلي.
وأشار إلى أن البيئة المدرسية ينبغي أن تبقى مساحة آمنة للطلبة والمعلمين، وأن الخلافات بين الطلبة يجب أن تُعالج بالوسائل التربوية والقانونية، لا بالتهديد أو استقدام مجموعات للاعتداء على الآخرين أو محاولة فرض الأمر الواقع خارج أسوار المدرسة.
وبيّن الربابعة أن حماية هيبة الدولة تبدأ من ترسيخ الثقة بالمؤسسات، بحيث يشعر كل مواطن بأن حقه محفوظ، وأن الشكوى يمكن أن تصل إلى الجهات المختصة، وأن الإجراءات القانونية تُطبق من دون تمييز بسبب الاسم أو الموقع أو العلاقات الشخصية.
وشدد على أن مواجهة هذه السلوكيات تتطلب تكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات العامة، من خلال تعزيز التربية على احترام القانون، ومواجهة التنمر والعنف.
أي قيم نريد أن يحملها الجيل الجديد؟
وتساءل الربابعة عن الرسالة التي تصل إلى الأبناء عندما يرون أن بعض الأشخاص يستطيعون التلويح بمكانة أسرهم عند الخلاف، وما إذا كانت هذه الممارسات تسهم في بناء جيل يؤمن بالمساواة وسيادة القانون، أم تعزز الاعتقاد بأن النفوذ الشخصي يمكن أن يحل محل الحق.
وأضاف أن عبارة "عارف مع مين بتحكي؟" تستحق التوقف عندها بوصفها مؤشرًا على خلل في فهم العلاقة بين المكانة والمسؤولية، حين يُستخدم اسم العائلة لفرض الإرادة بدلًا من الاحتكام إلى القانون والحوار.
ولفت إلى أن معالجة هذه الثقافة لا تتحقق بالمحاسبة عند وقوع المخالفة فحسب، وإنما تبدأ بتربية الأبناء على أن احترام الآخرين لا يرتبط بمكانتهم، وأن الحقوق لا تتغير بتغير الأسماء، وأن القوة الحقيقية تظهر في القدرة على ضبط النفس وقبول المساءلة.
وخلص الربابعة إلى أن المناصب والمواقع الاجتماعية قد تتغير، لكن أثر التربية يبقى حاضرًا في سلوك الأفراد وعلاقتهم بالمجتمع، مشيرًا إلى أن المعيار الحقيقي للمكانة ليس اسم العائلة الذي يُستحضر عند الخلاف، وإنما الأخلاق التي تحكم تصرفات الإنسان، ومدى احترامه للقانون وحقوق الآخرين.







