الأردنيون بين التحفظ على المشروع الإيراني والقلق من إسرائيل... ما الذي يفكرون به وما الذي يراودهم؟
• الأردنيون لا يريدون التورط في حرب قد تستفيد منها إسرائيل لتعزيز نفوذها وتحقيق أهدافها الإقليمية
• المشروع الإيراني لا يحظى بارتياح غالبية الأردنيين، لكن الحرب الأمريكية على طهران تثير مخاوف الشارع
• جرائم الإبادة في غزة عمّقت التعاطف مع الإيرانيين وزادت الريبة الأردنية تجاه الحرب الأمريكية على إيران
• على الحكومة الأردنية الانتباه إلى عمق الغضب الشعبي من إسرائيل والسياسة الأمريكية في المنطقة
• الفارق بين إيران وإسرائيل يتجاوز الجغرافيا إلى حسابات السيادة والأطماع ومخاوف الأمن الوطني الأردني
• إسرائيل على حدود الأردن... ومخاوف من استثمار الحرب لفرض وقائع سياسية جديدة في المنطقة
• سيناريو حل القضية الفلسطينية على حساب الأردن والأردنيين حاضر بقوة في الوجدان الشعبي
• الأردنيون يرفضون الاعتداء على بلادهم، لكنهم يتوجسون من حرب قد تنتهي بمكاسب استراتيجية لإسرائيل
• الخشية الأردنية لا تتعلق بالحرب وحدها، وإنما بما قد تفرضه من ترتيبات جديدة للقضية الفلسطينية
• بين التحفظ على المشروع الإيراني والقلق من إسرائيل، تتشكل حسابات الأردنيين تجاه الحرب ومآلاتها الإقليمية
رأى المحلل السياسي الدكتور رامي العياصرة أن موقف الشارع الأردني من الحرب الأمريكية على إيران لا يمكن قراءته من زاوية العلاقة مع طهران وحدها، أو اختزاله في تقييم المشروع الإيراني ومواقف الأردن منه؛ إذ تتداخل في تشكيل هذا الموقف اعتبارات الأمن الوطني والسيادة، ومخاوف اتساع الحرب، والقلق من أن تستثمر إسرائيل الصراع لتحقيق أهداف استراتيجية وسياسية في المنطقة، وفي مقدمتها ما يتصل بمستقبل القضية الفلسطينية واحتمالات تحميل الأردن كلفة تسويتها.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الرأي العام الأردني لا يرغب في انخراط بلاده في الصراع، انطلاقًا من حسابات تتعلق بمآلات المواجهة والجهة التي قد تجني مكاسبها السياسية والاستراتيجية، فالمسألة، وفق قراءته، لا تتعلق بالموقف من إيران بقدر ما تتصل بالتداعيات المحتملة للحرب، وبما إذا كانت نتائجها ستفضي إلى ترتيبات إقليمية تعزز المصالح الإسرائيلية، أو تفتح المجال أمام فرض وقائع جديدة تمس القضية الفلسطينية والأردن معًا.
ونوّه العياصرة إلى أن المشروع الإيراني لا يحظى بارتياح غالبية الأردنيين، وأن الاعتداء على الأردن مرفوض بصرف النظر عن مصدره أو مبرراته، غير أن هذا الموقف لا يعني، في المقابل، وجود قبول شعبي بالحرب الأمريكية على إيران؛ فالشارع الأردني، بحسب تقديره، ينظر إلى المواجهة بقدر من الريبة، ويتعاطف مع الإيرانيين في سياق الغضب الذي أثارته جرائم الإبادة في غزة، وما خلفته من مشاعر عميقة تجاه إسرائيل والسياسات الأمريكية المرتبطة بالصراع في المنطقة.
ويعكس هذا التباين، وفقًا للعياصرة، طبيعة الموقف الأردني؛ إذ يمكن أن يرفض الأردنيون المشروع الإيراني، ويتمسكوا في الوقت ذاته برفض الاعتداء على بلادهم، ويتحفظوا على الحرب الأمريكية خشية أن تنتهي إلى نتائج تخدم إسرائيل، فالمواقف هنا لا تتحرك وفق ثنائية التأييد والرفض وحدها، إذ قد تتشكل في ضوء تقدير أوسع لموازين القوى، وللأهداف التي قد تسعى الأطراف المتصارعة إلى تحقيقها، وللانعكاسات التي يمكن أن تطال الأردن والقضية الفلسطينية.
العياصرة: على الحكومة قراءة المزاج الشعبي وحسابات الغضب من إسرائيل وواشنطن
ووضع العياصرة أمام مركز القرار في الحكومة الأردنية ضرورة الانتباه إلى مستوى الغضب الشعبي تجاه إسرائيل، وما امتد إليه من مواقف ناقدة للسياسة الأمريكية في الإقليم، مستطردًا أن التعامل مع تطورات الحرب لا ينبغي أن يقتصر على الحسابات الدبلوماسية والعسكرية المباشرة، فهو يتطلب أيضًا فهمًا دقيقًا للمخاوف التي تحكم نظرة الأردنيين إلى الصراع، وللأسباب التي تجعل قطاعات واسعة منهم متوجسة من أي مسار قد يمنح إسرائيل فرصة لتوسيع نفوذها أو إعادة ترتيب المشهد الإقليمي لمصلحتها.
وتنبع أهمية هذا الاعتبار، من أن الموقف الشعبي لا ينفصل عن التجربة التي راكمتها الحرب على غزة، وما أثارته من غضب إزاء الممارسات الإسرائيلية، ومن تشكيك في جدوى السياسات الدولية التي لم تنجح في وقف معاناة الفلسطينيين، وفي ظل هذه الخلفية، تصبح أي مواجهة إقليمية جديدة موضع تساؤل لدى الأردنيين بشأن أهدافها النهائية، والجهات التي قد تستفيد منها، والنتائج التي يمكن أن تتركها على مستقبل القضية الفلسطينية وأمن الأردن.
ومن هذا المنطلق، فإن تقدير الموقف الأردني من الحرب يتطلب، كما طرح العياصرة، التمييز بين الموقف من إيران بوصفها طرفًا إقليميًا له مشروعه وحساباته، والموقف من حرب قد تفضي نتائجها إلى تعزيز الموقع الإسرائيلي، فعدم الارتياح إلى المشروع الإيراني لا يلغي المخاوف من إسرائيل، كما أن رفض الاعتداء على الأردن لا يعني الاصطفاف خلف أي طرف في المواجهة. وبين هذه الاعتبارات، تتحدد حساسية القرار الأردني في تجنب الانجرار إلى صراع قد تتجاوز تداعياته حدود المواجهة العسكرية المباشرة.
الفارق بين إيران وإسرائيل.. الجغرافيا والأطماع ومخاوف السيادة
واعتبر العياصرة أن الفارق السياسي والاستراتيجي والسيادي بين إيران وإسرائيل يحتل موقعًا أساسيًا في فهم المزاج الأردني، فإيران، على الرغم من التحفظات التي يثيرها مشروعها لدى قطاعات من الأردنيين، تقع بعيدًا جغرافيًا عن الأردن، ولا تعلن، وفق المقارنة التي يطرحها، أطماعًا مباشرة في الأردنيين، أما إسرائيل، فتجاور الأردن جغرافيًا، وترتبط المخاوف منها، في الوعي الأردني، بما يعلنه بعض قادتها من مواقف وتصورات تثير القلق بشأن مستقبل الأراضي الفلسطينية وإمكانات فرض تسوية للصراع على حساب دول الجوار.
ويمنح هذا الفارق، بحسب العياصرة، الصراع أبعادًا تتجاوز طبيعة العلاقات السياسية مع الأطراف المنخرطة فيه، فالقرب الجغرافي من إسرائيل، إلى جانب ما يراه الأردنيون من مخاطر مرتبطة بأهدافها الإقليمية، يجعل أي تحول في موازين القوى موضع متابعة وقلق، خصوصًا إذا كان من شأنه أن يهيئ الظروف لفرض ترتيبات جديدة في القضية الفلسطينية، من دون ضمان حقوق الفلسطينيين أو مراعاة المصالح السيادية للدول المحيطة.
ولا يعني ذلك، في طرح العياصرة، التقليل من خطورة المشروع الإيراني أو تجاوز الموقف الرافض لأي اعتداء على الأردن، فهو يشير إلى اختلاف طبيعة المخاطر ومصادرها. فالحسابات الأردنية، كما أوضح، لا تتوقف عند تقييم نيات الأطراف المتصارعة، وإنما تمتد إلى تقدير ما يمكن أن تفضي إليه الحرب من وقائع سياسية وجغرافية، ومدى انعكاسها على أمن المملكة ومصالحها الوطنية.
ومن هنا، تكتسب مسألة السيادة أهمية خاصة؛ لأن نتائج الحروب تُقاس بما تنتجه من ترتيبات قد تعيد رسم حدود النفوذ، وتفرض أولويات جديدة على الدول المجاورة، وفي الحالة الأردنية، يرتبط هذا التقدير بمخاوف من أن تخرج إسرائيل من المواجهة بموقع أقوى يتيح لها دفع تصوراتها بشأن القضية الفلسطينية، في وقت تظل فيه كلفة تلك التصورات محتملة على الأردن.
مخاوف من تسوية القضية الفلسطينية على حساب الأردن
وأشار العياصرة إلى أن سيناريو حل القضية الفلسطينية على حساب الأردن والأردنيين حاضر بقوة في الوجدان الشعبي، ويشكل أحد أبرز العوامل التي تفسر التحفظ على مسارات الحرب ومآلاتها، فالمخاوف الأردنية، وفق قراءته، لا تنحصر في احتمال اتساع المواجهة أو انتقال آثارها إلى دول المنطقة، وإنما تشمل أيضًا ما قد يليها من محاولات لاستثمار نتائجها في فرض تسوية سياسية للقضية الفلسطينية لا تعالج جذور الصراع، بل تنقل أعباءه إلى الأردن.
ويضع هذا السيناريو، كما رآه العياصرة، الأمن الوطني الأردني في صلب النقاش بشأن الحرب؛ إذ إن أي ترتيبات تتعلق بمستقبل الفلسطينيين أو بأرضهم وحقوقهم لا يمكن النظر إليها بوصفها شأنًا منفصلًا عن الأردن، مضيفًا أن المخاوف من تصفية القضية الفلسطينية على حساب المملكة ترتبط، في جوهرها، بالقلق من أن تتحول التحولات الإقليمية إلى مدخل لفرض وقائع جديدة، تتجاوز حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وتمس في الوقت نفسه مصالح الأردن وسيادته واستقراره.
وفي هذا السياق، لا ينظر العياصرة إلى الحرب باعتبارها مواجهة محصورة بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما بوصفها تطورًا قد تترتب عليه انعكاسات أوسع على الإقليم، بما في ذلك موقع إسرائيل وقدرتها على التأثير في مستقبل القضية الفلسطينية.
ولذلك، فإن السؤال الأساسي في الحسابات الأردنية، وفق طرحه، لا يتعلق بمن يحقق مكاسب عسكرية في الميدان فحسب، وإنما بما إذا كانت هذه المكاسب ستُترجم إلى ترتيبات سياسية جديدة، وما إذا كان الأردن سيواجه ضغوطًا أو أعباء نتيجة تلك الترتيبات.
ويفسر ذلك، بحسب العياصرة، جانبًا من الحذر الشعبي إزاء الحرب الأمريكية على إيران؛ فالأردنيون لا يقيمون الصراع بمعزل عن التجربة الفلسطينية، ولا يفصلون بين ما يجري في الإقليم والمخاطر التي قد تنشأ عن استغلاله لإعادة طرح حلول للقضية الفلسطينية تتعارض مع المصالح الأردنية.
الموقف الأردني بين رفض الاعتداء وتجنب الانخراط في الحرب
وخلص طرح العياصرة إلى أن فهم موقف الأردنيين من الحرب يستدعي الفصل بين ثلاثة اعتبارات متداخلة: التحفظ على المشروع الإيراني، والرفض القاطع لأي اعتداء على الأردن، والقلق من أن تستفيد إسرائيل من المواجهة لتوسيع نفوذها أو الدفع نحو تسوية للقضية الفلسطينية على حساب المملكة، وهذه الاعتبارات، وإن بدت متباينة في ظاهرها، تجتمع في حسابات شعبية تضع الأمن الوطني الأردني ومستقبل القضية الفلسطينية في مقدمة الأولويات.
وبحسب هذه القراءة، فإن رفض الاعتداء على الأردن لا ينبغي أن يُفسر بوصفه تأييدًا للحرب الأمريكية على إيران، مثلما أن التعاطف مع الإيرانيين في ظل ما جرى في غزة لا يعني القبول بمشروع إيران الإقليمي، فالمواقف الشعبية، كما يعرضها العياصرة، تنطلق من مخاوف تتصل بمآلات الصراع أكثر مما تنطلق من اصطفاف كامل مع أحد أطرافه.
وتبقى المسألة الأكثر حساسية بالنسبة إلى الأردن، وفق العياصرة، هي احتمال أن تتحول الحرب إلى فرصة لإعادة ترتيب الإقليم بما يعزز الموقع الإسرائيلي، ويفتح الباب أمام فرض تصورات سياسية للقضية الفلسطينية تنقل أعباءها إلى الأردن، ولهذا، فإن قراءة نبض الشارع تظل جزءًا مهمًا من فهم الحسابات الأردنية، في ظل التداخل بين الصراع الإقليمي، والمخاوف المتعلقة بالسيادة، والقلق من مستقبل القضية الفلسطينية.







