قرمان يكتب: الإخوان المسلمون.. معركة التكيف من أجل البقاء
حميد قرمان
لم يعد التكيف التكتيكي لدى جماعة الإخوان المسلمين ترفاً فكرياً أو خياراً متاحاً بين بدائل، بل تحول إلى إستراتيجية بقاء قسرية تفرضها تحولات جيوستراتيجية بالغة التعقيد في المنطقة، تجلت بوضوح بعد السابع من أكتوبر عام 2023.
تعيش حركات الإسلام السياسي (جماعة الإخوان والأحزاب التي تدور في فلكها) اليوم مرحلة إعادة هندسة شاملة لمنطلقاتها، على قاعدة التموضع بصياغة خطاب فكري وممارسات إعلامية أقل تصادمية، مدفوعة بتغيير محسوب في أيديولوجيتها للتعايش مع مشهد إقليمي ودولي جديد بات يلفظ الشعارات العابرة للحدود، ويجبر هذه التنظيمات على الانحناء أمام عاصفة الدولة الوطنية التي ثبتت قدرتها على الصمود أمام أجندات التطرف.. ودوائر الفوضى.
بالنظر إلى خارطة الشرق الأوسط بعد احتجاجات الربيع العربي، والإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في جمهورية مصر العربية، تريثت الجماعة في انتظار حدث سياسي تستطيع من خلاله إعادة إنتاج نفسها وطرح خطابها على شارع عربي تحركه العواطف السياسية لا المصالح الاستراتيجية، فكان السابع من أكتوبر الرافعة الأيديولوجية التي انتظرتها الجماعة، فتعاملت كالعادة بسطحية لاهثة وراء شعبية مؤقتة، دون إدراك أن اللاعبين في الشرق الأوسط لهم حساباتهم المعقدة التي تتجاوز طموحات أيديولوجية لم تستطع فرض نفسها في منطقة عانت من خطاب ديني يُجيّر لمصالح فئات محدودة.
اصطدمت محاولات جماعة الإخوان بصعود الرئيس أحمد الشرع إلى سدّة الحكم في سوريا، وإدارته للمرحلة الانتقالية وفق أسس مؤسساتية وطنية براغماتية؛ الأمر الذي أحدث زلزالا سياسيا في حسابات الجماعة. ومع أفول النموذج القديم في دمشق، تلاشت أوهام الاستثمار السياسي في الأزمات؛ إذ أدركت الجماعة أن الإدارة السورية الجديدة لا تتيح أي هوامش لإحياء المشاريع المؤدلجة بل تؤسس لواقع يرتكز على نهج الواقعية ضمن العمق العربي. وقد فرض هذا التحول الإستراتيجي على الجماعة ضرورة مراجعة طرحها السياسي ومقارباتها الأيديولوجية بمرونة الهوامش، بعد أن تبيّن لها أن التمسك بالصدامية التقليدية يعني انتحارا سياسيا محققا.
بالتوازي مع "العامل السوري"، فرض اشتداد العقوبات الصارمة -الأمريكية والأوروبية والعربية- ضغوطا هيكلية جففت منابع الدعم المالي والسياسي للحركات الإسلامية. لم يكن هذا التراجع وليد مراجعات فكرية ناضجة بل جاء تحت وطأة الحصار المالي والقانوني، والتضييق الإقليمي، والانقسامات العمودية الداخلية. وقد ولّد هذا الواقع دافعا سياسيا لتبني مقاربات أكثر هدوءً وأقل صدامية مع الدول العربية المحورية، حيث تحولت الأولوية من "الهجوم الأيديولوجي" إلى "الدفاع عن المكتسبات" والبحث عن مساحات أمان تضمن البقاء.
شواهد هذا التحول في سلوك حركات وازنة تدور في فلك هذه الأيديولوجيا؛ حركة حماس.. تواجه واقعا ميدانيا وإقليميا معقدا يصعب الخروج منه إلا من خلال إبداء مرونة سياسية غير مسبوقة، والنأي بنفسها عن التجاذبات الإقليمية، مع التركيز على الخطاب الغوغائي لضمان حضورها في المشهد الفلسطيني المستقبلي، لا سيما في ظل التوجهات الإقليمية؛ تحديدا القطرية.. التي بدأت تستشرف مرحلة ما بعد حماس.
في المقابل.. بدأت الجماعة في الأردن عبر حزبها حزب الأمة؛ حزب جبهة العمل الإسلامي سابقا، استدارة كبيرة في أدائها من خلال مؤتمرها الأخير؛ إذ استبدل الخطاب الصدامي بأجندة واقعية تركز على الإصلاح الاقتصادي والسياسي من داخل أطر الدولة، مع اعتماد سياسة المهادنة مع مؤسسات القرار والمحيط العربي، وإيصال شخصية تنظيمية لمنصب الأمين العام للحزب يفضل البراغماتية على التشدد الأيديولوجي.. كل ذلك تفاديا لمصير الفروع الأخرى.. وتأكيدا على الرغبة في الاندماج باللعبة السياسية الوطنية.
تتضح النتائج الملموسة لانحسار جماعة الإخوان وأحزابها في النموذج المغربي وتجربة التكيُّف الاستراتيجي؛ فبدلا من السقوط في مواجهة صفرية مع الدولة، اختار الحزب إعادة تموضعه براغماتيا داخل البنية المؤسسية للمملكة، إذ أبدى مرونة في حرصه الدائم على نفي تبعيته للتنظيم الدولي عبر تأكيد مرجعيته الوطنية وولائه للملكية، وتقديم تنازلات سياسية كبرى للاندماج في اللعبة الديمقراطية، فضلاً عن محاولات استيعاب أزماته الداخلية من خلال تفعيل المحاسبة الذاتية، والعودة مجبرا إلى صفوف المعارضة، وتجديد نُخبه لضمان استمراريته السياسية. وقد حقق بعد كل ذلك مكانة حقيقية داخل الشارع المغربي تعكس حجمه ونفوذه، ليحتل المركز الرابع في خارطة الأحزاب والقوى المشكلة للبرلمان الجديد.
ما نشهده اليوم، في ضوء القراءة السياسية العميقة، ليس تحولا عقائدياً بل هو براغماتية اضطرارية ومناورة تكتيكية تنحني بها جماعة الإخوان أمام عواصف العقوبات والتحولات الكبرى. هذا النهج الواقعي الذي تسير عليه أيضا أنظمة وقيادات طارئة، مثل نظام أحمد الشرع، يضع أيديولوجية السلام السياسي عموما أمام تساؤل جوهري: هل تنجح هذه الاستدارة في إعادة إنتاج الحركات الإسلامية كشركاء محليين، أم أن منطق الدولة الوطنية بات يرفض أطروحاتهم التقليدية؟
في المحصلة، يمرّ الإسلام السياسي اليوم باختبار وجودي هو الأكثر تعقيدا في تاريخه الحديث، إذ لم تعد المناورة الفكرية كافية لتسويق خطابه. وإن صعود تيارات داخل هذه الجماعات تتبنى البراغماتية، مقترنا بالحصار المالي الصارم، قد وضعها بين فكّي كماشة: إما الذوبان التدريجي في أطر الدولة الوطنية.. وقبول شروطها السيادية كاملة أو التلاشي في طيات التاريخ. وفي ظل هذه التحولات، يظل التساؤل مشرعا مجددا: هل تشكّل هذه الاستدارات الاضطرارية فصلا أخيرا في كتاب الأيديولوجيات العابرة للحدود أم أنها مجرد كمون تكتيكي ينتظر رياحا إقليمية جديدة؟
الإجابة لن تصوغها أدبيات هذه الجماعات بل ستفرضها حقائق الجغرافيا السياسية التي تثبت يوما بعد آخر أن قطار الدولة الوطنية قد انطلق، ولن ينتظر أحدا.







