هل حجم الدمار يُدين المقاومة؟.. أم يفرض مراجعتها؟
• اختزال المأساة الفلسطينية في السابع من أكتوبر يتجاهل تاريخًا طويلًا من الاقتلاع والاحتلال والحروب
• قبل أن يسأل فلسطيني عمّن هدم بيته بعد السابع من أكتوبر، كانت عائلته تحمل حكاية بيت آخر هُجّرت منه عام 1948
• في 1948 اقتُلع الفلسطيني من أرضه، وفي 1967 دخل الصراع مرحلة أخرى من الاحتلال
• تغيّرت ساحات المواجهة، وانتقلت الثورة الفلسطينية من الأردن ولبنان إلى الداخل الفلسطيني
• ذلك الجيل لم يمتلك صواريخ أو أنفاقًا، لكنه امتلك الحجر ودفع ثمن المواجهة من دمائه وحريته
• الفلسطيني جرّب المقاومة، لكنه جرّب التفاوض أيضًا، وعلّق آمالًا على إمكانية الوصول إلى الدولة عبر السياسة
• الدولة الفلسطينية لم تأتِ، والاستيطان لم يتوقف، ومع الوقت انهارت الثقة بمسار التسوية
• تبدّلت القيادات والأساليب والساحات، لكن الفلسطيني ظل يدفع الثمن من عمره وبيته وأبنائه
• استحضار التاريخ لا يعني إعفاء المقاومة من المراجعة، لكنه أيضًا لا يسمح باختزال المأساة في قرار واحد
• مراجعة المقاومة لا تعني اعتبار كل عملية صائبة، ولا تبرير ما يصفه بجرائم الإبادة
• تحميل المقاومة مسؤولية كل ما فعله الاحتلال يحوّل جرائم القتل والتجويع والتدمير إلى مجرد رد تلقائي
• حين يصبح حجم القتل والدمار دليلًا على خطأ المقاومة، تنقلب العلاقة بين الفعل والنتيجة
• المطلوب ليس إسقاط طرف من المعادلة لحساب الآخر، وإنما مراجعة تحمي الناس وتعيد الاعتبار للحقوق
• لا ينبغي أن يتحول الفلسطيني إلى متهم أمام أنقاض بيته، فيما تُمحى من المشهد ذاكرة البيت الأول
قال الصحفي الفلسطيني من غزة وسام عفيفة إن اختزال المأساة الفلسطينية في أحداث السابع من أكتوبر يتجاهل تاريخًا ممتدًا من الاقتلاع والاحتلال والحروب والمواجهات، مشيرًا إلى أن الفلسطيني الذي يقف اليوم أمام أنقاض منزله لا يواجه للمرة الأولى سؤال البيت المهدّم، إذ تحمل عائلته، في كثير من الحالات، ذاكرة بيت آخر هُجّرت منه عام 1948.
وقدّم في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية، المفارقة التي تختصر، بحسب طرحه، امتداد المأساة عبر الأجيال؛ فقبل أن يسأل فلسطيني عمّن هدم بيته بعد السابع من أكتوبر، كانت عائلته تحمل حكاية بيت آخر اقتُلعت منه عام 1948، وبين البيتين، كما يقول، تعاقبت أجيال دفعت أثمانًا لم تخترها، ولم تبدأ مأساتها بقرار من المقاومة.
واستشهد عفيفة بمحطات أساسية من التاريخ الفلسطيني، موضحًا أنه في النكبة اقتُلع الفلسطيني من أرضه، ثم جاءت حرب عام 1967 التي شهدت احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، لتدخل القضية الفلسطينية بعد ذلك مراحل متعاقبة من الصراع والمواجهة.
ولفت إلى أن معارك الثورة الفلسطينية توالت في الأردن ولبنان، وصولًا إلى حصار بيروت، قبل أن تنتقل المواجهة بصورة أكبر إلى الداخل الفلسطيني، حيث ظهر جيل الانتفاضة الأولى حاملًا الحجر في مواجهة الاحتلال.
وأشار عفيفة إلى أن ذلك الجيل لم يكن يمتلك صواريخ أو أنفاقًا، ومع ذلك، بحسب وصفه، سقط شهداء وامتلأت المعتقلات، في مرحلة يرى أنها تؤكد أن أشكال المقاومة الفلسطينية تغيرت بتغير الظروف والإمكانات، فيما بقيت المواجهة مع الاحتلال حاضرة.
ولفت إلى أن الفلسطيني لم يكتفِ بخيار المواجهة المسلحة، إذ جرّب كذلك مسار التفاوض والتسوية السياسية، مستشهدًا بمصافحة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لرئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، وما رافق اتفاق أوسلو من آمال لدى الفلسطينيين بإمكان الوصول إلى الدولة وإنهاء الصراع عبر المسار السياسي.
وقال إن الدولة الفلسطينية، وفق قراءته، لم تأتِ، فيما لم يتوقف الاستيطان، الأمر الذي أدى إلى انهيار الثقة بمسار التسوية السياسية، وصولًا إلى اندلاع انتفاضة الأقصى، التي يقول إنها شهدت انخراط أبناء مختلف الفصائل الفلسطينية، إلى جانب أفراد من أجهزة السلطة الفلسطينية.
وأوضح عفيفة أن السنوات التالية شهدت توالي الحروب على قطاع غزة، وصولًا إلى السابع من أكتوبر، مشيرًا إلى أن القيادات والأساليب والساحات تغيرت على امتداد العقود، لكن الفلسطيني، بحسب تعبيره، ظل يدفع الثمن من عمره وبيته وأبنائه.
وفي الوقت ذاته، نوّه إلى أن استحضار هذا التاريخ لا يعني إعفاء المقاومة من المراجعة، مشددًا على أن قراراتها ونتائجها تظل قابلة للنقد والمساءلة، إلا أنه رأى أن ذلك لا يبرر اختزال المأساة الفلسطينية في قرار أو حدث واحد، ولا يسقط عقودًا من الاحتلال والصراع.
وقال إن مراجعة قرارات المقاومة لا تعني، في المقابل، اعتبار كل عملية صائبة أو تبرير ما يصفه بجرائم الإبادة، مؤكدًا أن من حق من فقد بيته وأفراد أسرته أن يسأل عن حسابات الهجوم ونتائجه، وأن يطالب بمراجعة ما جرى وتقييم تداعياته.
لكنه رأى أن تحميل المقاومة مسؤولية كل ما فعله الاحتلال يفضي إلى تحويل قرارات القتل والتجويع والتدمير إلى مجرد رد تلقائي، وكأن الطرف الذي ارتكب هذه الأفعال لم تكن لديه خيارات أخرى.
وحذر عفيفة من نتيجة أخرى يعتبرها أكثر خطورة، تتمثل في تحويل حجم جرائم الحرب إلى حجة لإثبات خطأ مقاومة الاحتلال، معتبرًا أن قبول هذه المعادلة يمكن أن يجعل ارتفاع حجم القتل والدمار وسيلة لإثبات بطلان المقاومة، بما يؤدي، وفق منطقه، إلى قلب العلاقة بين الفعل والنتيجة.
وخلص إلى أن المطلوب ليس إسقاط أحد طرفي المعادلة لحساب الآخر، بقدر ما هو إجراء مراجعة قادرة على حماية الناس وإعادة الاعتبار للحقوق الوطنية، مستطردًا أن اختصار التاريخ الفلسطيني في صباح السابع من أكتوبر يخرج من الصورة عقودًا من الاحتلال والمواجهات والتجارب السياسية.
وقال عفيفة إن الفلسطيني الذي يقف أمام ركام بيته اليوم لا ينبغي أن يتحول، بسبب اختزال التاريخ، إلى متهم أمام أنقاض منزله، فيما تُمحى من المشهد ذاكرة البيت الأول الذي هُجّر منه أهله عام 1948، وما تلاه من عقود حملت أجيالًا فلسطينية كلفة صراع لم تختر بدايته ولا شروطه.

